حسام الدين خلف
28-Dec-2007, 08:40 PM
أفكار من إسطنبول
http://www.almasry-alyoum.com/article.aspx?ArticleID=87824
بقلم د.عمرو الشوبكى ٢٧/١٢/٢٠٠٧
قدمت الخبرة التركية المعاصرة أفكاراً مهمة جديرة بالتأمل والمناقشة في العالمين العربي والإسلامي، خاصة أنها مرت بمنحنيات وتعرجات كثيرة اتسم بعضها بالقسوة والحدة، ولكنها أنتجت في النهاية حقبة جديدة عادت فيها تركيا للتصالح مع موروثها التاريخي والحضاري الإسلامي بصورة مستنيرة، مثلت قوة دفع في اتجاه مزيد من الديمقراطية والازدهار الاقتصادي.
ولكن فيم اختلفت تركيا عن مصر؟، وهل هناك مجال للمقارنة، وأفق للحاق بكل من سبقونا بخطوات واسعة، رغم أنهم كانوا مثلنا أو أقل قليلا منذ أربعة عقود فقط، وأقصد بلدانا مثل كوريا وماليزيا وتركيا وإيران وغيرها، وتقدموا علينا في كل المجالات السياسية والاقتصادية وبمسافات شاسعة.
إن مسألة المقارنة بين الخبرة السياسية المصرية والتركية واردة، خاصة أن تجربة التحديث في البلدين عرفت نقاط تشابه في القرن التاسع عشر، ومساحات فراق في القرن العشرين، فقد أخذ التباين بين التجربتين صورا كثيرة، فمن جهة عرفت مصر انقطاعات عميقة في تواصل نظمها السياسية، علي عكس الخبرة التركية التي عرفت تحولات في خبرة نظامها الجمهوري وإعادة تعريف لبعض أسسه دون قطيعة، وحتي في مراحل الانقلابات التركية، فقد ظلت في إطار أسس النظام الجمهوري العلماني بل ادعت أنها قامت من أجل الحفاظ عليه،
وهذا علي عكس «الانقلابات» المصرية التي كانت أحيانا انقلابات ثورية حقيقية كما حدث في يوليو ١٩٥٢ التي هدمت أركان النظام الملكي القائم وشيدت نظاما جمهوريا جديدا، أو مع انقلاب مايو ١٩٧١، الذي قاده الرئيس السادات وانقلب فيه علي رجال ثورة يوليو حتي يحول توجهاتها من يسار الوسط إلي أقصي اليمين .
ويبدو الفارق كبيرا بين النظام الملكي قبل ثورة يوليو وبين النظام الجمهوري، كما أن التفاوت في عصور الجمهورية المصرية بدا كبيرا ولافتا، فجمهورية ناصر ليست هي جمهورية السادات وعصر مبارك يختلف كثيرا عن كل أسلافه، كما أن الجمهورية المصرية لم تنجح منذ أكثر من نصف قرن في بناء نظام ديمقراطي تعددي حقيقي.
والحقيقة أن تحولات التجربة التركية جاءت في سياق الاستمرارية، وليس علي أرضية القطيعة، مما ساعد طرفي المعادلة السياسية أي المؤسسة العسكرية ومعها التيارات العلمانية الأتاتوركية من جانب ــ نسبة لكمال أتاتورك مؤسس الجمهورية العلمانية في تركيا ـ والتنظيمات الإسلامية من جانب آخر، علي المراجعة والتطور عبر رحلة تراكمية طويلة لم تعرف انقطاعات الخبرة المصرية،
وأدت في النهاية إلي أن يصل الإسلاميون الذين حاربتهم الجمهورية العلمانية التركية في مراحلها الأولي إلي الحكم، وأصبح هناك في نهاية الألفية الثانية تيار إسلامي ديمقراطي بقيادة نجم الدين أربكان فشل ، ومع بداية الألفية الثالثة ظهر تيار آخر نجح، وهو حزب العدالة والتنمية الذي يمتلك أغلبية مطلقة في البرلمان وفي البلديات المحلية، وفاز مؤخرا مرشحه عبد الله جول بمنصب رئيس الجمهورية.
والمؤكد أن تقدم تركيا نحو الديمقراطية قد دفع التيار الإسلامي إلي أن يتقدم نحو نفس المسار، ليس فقط في اتجاه احترام الآليات الديمقراطية، إنما أيضا في اتجاه احترام قيم الديمقراطية وتبني المعايير الأوروبية في بناء المجتمع التركي سياسيا واقتصاديا، وهذا علي عكس الخبرة المصرية التي ثبتت تجربتها الديمقراطية علي نظام التعددية المقيدة الذي أعلنه الرئيس السادات عام ١٩٧٦، وشهدت في العقدين الأخيرين مزيدا من الجمود أفرغ الحياة السياسية من أي مضمون أو قيمة حقيقية.
ولعل وجود هذه الفروقات قد جعل في المقارنة بين مصر وتركيا في طريقة تعاملهما مع التيار الإسلامي كثيرا من المغامرة، وتلقي الضوء علي هذا السؤال الكبير المتعلق بإمكانية دمج التيار الإسلامي في عملية التطور الديمقراطي، ومدي قدرته علي أن يتحول إلي خطاب مدني يخضع لحكم المواطنين دون أي نزعة "تفوقية" علي خطابات التيارات الأخري تحت حجة أنه خطاب ديني مقدس لا يجب نقده أو الاختلاف معه.
والحقيقة أن التجربة التركية متمثلة في خبرة حزب العدالة والتنمية نجحت في إنجاز هذا التحول ـ رغم كل ما أثير حول دور الجيش في فرض نظام علماني أجبر الإسلاميين علي احترامه ـ لكن من المؤكد أن القسم الأكبر من التيار الإسلامي في تركيا تفاعل بانفتاح شديد مع الواقع الاجتماعي والسياسي المحيط به، مما ساعده علي التحول من الخطاب الإسلامي التقليدي، إلي ما سماه «خطاب المحافظين الديمقراطيين»، متجاوزا بهذا التحول الخطاب العلماني الأتاتوركي المدعوم من المؤسسة العسكرية، الذي اعتبر نفسه لفترات طويلة «حارسا» لقيم الغرب في المجتمع التركي المسلم، وأصبح تيار العدالة والتنمية أكثر إخلاصا منه في الانسجام مع المعايير الأوروبية في الديمقراطية وحقوق الإنسان واقتصاديات السوق.
في نفس الوقت الذي وعي فيه هذا التيار علي مدار خمس سنوات قضاها في الحكم أن اندماج تركيا في المنظومة العالمية هو اندماج نقدي لايسلم بكل شروطها، إنما يقبل بقواعد اللعبة الحديثة، وبالتحديات التي تفرضها من أجل إجراء نهضة داخلية حقيقية علي المستوي الاقتصادي والسياسي.
وربما يكون موقف حكومة العدالة والتنمية من دخول القوات الأمريكية الأراضي التركية لغزو العراق منذ أكثر من أربع سنوات ذا دلالة في هذا الإطار، فقد عبر عن الترجمة الديمقراطية والعصرية لموقف ربما عقيدي رافض أن تعبر الولايات المتحدة الأراضي التركية لضرب جار مسلم، ولكنه عبر عن هذا الرفض في موقف ملموس وليس في ساحة «الشعارات الهوائية»، وهو أمر يختلف في الحقيقة عن موقف كثير من النظم العربية غير الديمقراطية التي رفعت شعارات عدائية ضد الغزو الأمريكي في العلن، وتحالفت معه في السر.
والحقيقة أن التطور الذي حدث في التجربة التركية يكمن في وجود مساحة حقيقية للصراع الديمقراطي الداخلي، حتي لو كانت محكومة في بعض جوانبها بقيود المؤسسة العسكرية، إلا أنها في النهاية نجحت في أن تحول الأفكار الأيديولوجية الكبري سواء التي انطلقت من مفاهيم إسلامية أو علمانية إلي ساحة «للنضالات الصغري» القائمة علي المكاسب الجزئية، وعدم إقصاء أي طرف من المعادلة السياسية، والاعتراف بحق التيارات المختلفة في التعبير،
وأخيرا مواجهة الولايات المتحدة أو بالأحري الاختلاف معها في الواقع وليس بالشعارات، وهو لن يتحقق إلا في ظل نظام ذي أساس شعبي وديمقراطي، نجح في إقامة آلية مؤسسية أو «مصفاة» للتفاعل الديمقراطي بين الجانبين، تقوم علي نظام تعددي، قادر علي تحويل الكلي إلي جزئي، وإلي «تهذيب» الأيديولوجيا وتحويلها من لغة مطلقات كلية تردد كالأناشيد دون أي دلالة واقعية، إلي حساسيات فكرية نحو منظومة من القيم والأفكار، لا تجثم علي صدور الناس وتراقب أنفاسهم تحت حجج دينية أو سياسية كما نفعل كثيرا في بلادنا.
حيث توجد مصلحة الناس يوجد شرع الله، هذا ما طبقه الأتراك ونجحوا، وهذا ما فشلنا فيه بامتياز.
http://www.almasry-alyoum.com/article.aspx?ArticleID=87824
بقلم د.عمرو الشوبكى ٢٧/١٢/٢٠٠٧
قدمت الخبرة التركية المعاصرة أفكاراً مهمة جديرة بالتأمل والمناقشة في العالمين العربي والإسلامي، خاصة أنها مرت بمنحنيات وتعرجات كثيرة اتسم بعضها بالقسوة والحدة، ولكنها أنتجت في النهاية حقبة جديدة عادت فيها تركيا للتصالح مع موروثها التاريخي والحضاري الإسلامي بصورة مستنيرة، مثلت قوة دفع في اتجاه مزيد من الديمقراطية والازدهار الاقتصادي.
ولكن فيم اختلفت تركيا عن مصر؟، وهل هناك مجال للمقارنة، وأفق للحاق بكل من سبقونا بخطوات واسعة، رغم أنهم كانوا مثلنا أو أقل قليلا منذ أربعة عقود فقط، وأقصد بلدانا مثل كوريا وماليزيا وتركيا وإيران وغيرها، وتقدموا علينا في كل المجالات السياسية والاقتصادية وبمسافات شاسعة.
إن مسألة المقارنة بين الخبرة السياسية المصرية والتركية واردة، خاصة أن تجربة التحديث في البلدين عرفت نقاط تشابه في القرن التاسع عشر، ومساحات فراق في القرن العشرين، فقد أخذ التباين بين التجربتين صورا كثيرة، فمن جهة عرفت مصر انقطاعات عميقة في تواصل نظمها السياسية، علي عكس الخبرة التركية التي عرفت تحولات في خبرة نظامها الجمهوري وإعادة تعريف لبعض أسسه دون قطيعة، وحتي في مراحل الانقلابات التركية، فقد ظلت في إطار أسس النظام الجمهوري العلماني بل ادعت أنها قامت من أجل الحفاظ عليه،
وهذا علي عكس «الانقلابات» المصرية التي كانت أحيانا انقلابات ثورية حقيقية كما حدث في يوليو ١٩٥٢ التي هدمت أركان النظام الملكي القائم وشيدت نظاما جمهوريا جديدا، أو مع انقلاب مايو ١٩٧١، الذي قاده الرئيس السادات وانقلب فيه علي رجال ثورة يوليو حتي يحول توجهاتها من يسار الوسط إلي أقصي اليمين .
ويبدو الفارق كبيرا بين النظام الملكي قبل ثورة يوليو وبين النظام الجمهوري، كما أن التفاوت في عصور الجمهورية المصرية بدا كبيرا ولافتا، فجمهورية ناصر ليست هي جمهورية السادات وعصر مبارك يختلف كثيرا عن كل أسلافه، كما أن الجمهورية المصرية لم تنجح منذ أكثر من نصف قرن في بناء نظام ديمقراطي تعددي حقيقي.
والحقيقة أن تحولات التجربة التركية جاءت في سياق الاستمرارية، وليس علي أرضية القطيعة، مما ساعد طرفي المعادلة السياسية أي المؤسسة العسكرية ومعها التيارات العلمانية الأتاتوركية من جانب ــ نسبة لكمال أتاتورك مؤسس الجمهورية العلمانية في تركيا ـ والتنظيمات الإسلامية من جانب آخر، علي المراجعة والتطور عبر رحلة تراكمية طويلة لم تعرف انقطاعات الخبرة المصرية،
وأدت في النهاية إلي أن يصل الإسلاميون الذين حاربتهم الجمهورية العلمانية التركية في مراحلها الأولي إلي الحكم، وأصبح هناك في نهاية الألفية الثانية تيار إسلامي ديمقراطي بقيادة نجم الدين أربكان فشل ، ومع بداية الألفية الثالثة ظهر تيار آخر نجح، وهو حزب العدالة والتنمية الذي يمتلك أغلبية مطلقة في البرلمان وفي البلديات المحلية، وفاز مؤخرا مرشحه عبد الله جول بمنصب رئيس الجمهورية.
والمؤكد أن تقدم تركيا نحو الديمقراطية قد دفع التيار الإسلامي إلي أن يتقدم نحو نفس المسار، ليس فقط في اتجاه احترام الآليات الديمقراطية، إنما أيضا في اتجاه احترام قيم الديمقراطية وتبني المعايير الأوروبية في بناء المجتمع التركي سياسيا واقتصاديا، وهذا علي عكس الخبرة المصرية التي ثبتت تجربتها الديمقراطية علي نظام التعددية المقيدة الذي أعلنه الرئيس السادات عام ١٩٧٦، وشهدت في العقدين الأخيرين مزيدا من الجمود أفرغ الحياة السياسية من أي مضمون أو قيمة حقيقية.
ولعل وجود هذه الفروقات قد جعل في المقارنة بين مصر وتركيا في طريقة تعاملهما مع التيار الإسلامي كثيرا من المغامرة، وتلقي الضوء علي هذا السؤال الكبير المتعلق بإمكانية دمج التيار الإسلامي في عملية التطور الديمقراطي، ومدي قدرته علي أن يتحول إلي خطاب مدني يخضع لحكم المواطنين دون أي نزعة "تفوقية" علي خطابات التيارات الأخري تحت حجة أنه خطاب ديني مقدس لا يجب نقده أو الاختلاف معه.
والحقيقة أن التجربة التركية متمثلة في خبرة حزب العدالة والتنمية نجحت في إنجاز هذا التحول ـ رغم كل ما أثير حول دور الجيش في فرض نظام علماني أجبر الإسلاميين علي احترامه ـ لكن من المؤكد أن القسم الأكبر من التيار الإسلامي في تركيا تفاعل بانفتاح شديد مع الواقع الاجتماعي والسياسي المحيط به، مما ساعده علي التحول من الخطاب الإسلامي التقليدي، إلي ما سماه «خطاب المحافظين الديمقراطيين»، متجاوزا بهذا التحول الخطاب العلماني الأتاتوركي المدعوم من المؤسسة العسكرية، الذي اعتبر نفسه لفترات طويلة «حارسا» لقيم الغرب في المجتمع التركي المسلم، وأصبح تيار العدالة والتنمية أكثر إخلاصا منه في الانسجام مع المعايير الأوروبية في الديمقراطية وحقوق الإنسان واقتصاديات السوق.
في نفس الوقت الذي وعي فيه هذا التيار علي مدار خمس سنوات قضاها في الحكم أن اندماج تركيا في المنظومة العالمية هو اندماج نقدي لايسلم بكل شروطها، إنما يقبل بقواعد اللعبة الحديثة، وبالتحديات التي تفرضها من أجل إجراء نهضة داخلية حقيقية علي المستوي الاقتصادي والسياسي.
وربما يكون موقف حكومة العدالة والتنمية من دخول القوات الأمريكية الأراضي التركية لغزو العراق منذ أكثر من أربع سنوات ذا دلالة في هذا الإطار، فقد عبر عن الترجمة الديمقراطية والعصرية لموقف ربما عقيدي رافض أن تعبر الولايات المتحدة الأراضي التركية لضرب جار مسلم، ولكنه عبر عن هذا الرفض في موقف ملموس وليس في ساحة «الشعارات الهوائية»، وهو أمر يختلف في الحقيقة عن موقف كثير من النظم العربية غير الديمقراطية التي رفعت شعارات عدائية ضد الغزو الأمريكي في العلن، وتحالفت معه في السر.
والحقيقة أن التطور الذي حدث في التجربة التركية يكمن في وجود مساحة حقيقية للصراع الديمقراطي الداخلي، حتي لو كانت محكومة في بعض جوانبها بقيود المؤسسة العسكرية، إلا أنها في النهاية نجحت في أن تحول الأفكار الأيديولوجية الكبري سواء التي انطلقت من مفاهيم إسلامية أو علمانية إلي ساحة «للنضالات الصغري» القائمة علي المكاسب الجزئية، وعدم إقصاء أي طرف من المعادلة السياسية، والاعتراف بحق التيارات المختلفة في التعبير،
وأخيرا مواجهة الولايات المتحدة أو بالأحري الاختلاف معها في الواقع وليس بالشعارات، وهو لن يتحقق إلا في ظل نظام ذي أساس شعبي وديمقراطي، نجح في إقامة آلية مؤسسية أو «مصفاة» للتفاعل الديمقراطي بين الجانبين، تقوم علي نظام تعددي، قادر علي تحويل الكلي إلي جزئي، وإلي «تهذيب» الأيديولوجيا وتحويلها من لغة مطلقات كلية تردد كالأناشيد دون أي دلالة واقعية، إلي حساسيات فكرية نحو منظومة من القيم والأفكار، لا تجثم علي صدور الناس وتراقب أنفاسهم تحت حجج دينية أو سياسية كما نفعل كثيرا في بلادنا.
حيث توجد مصلحة الناس يوجد شرع الله، هذا ما طبقه الأتراك ونجحوا، وهذا ما فشلنا فيه بامتياز.