المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كيف يفك الإسلاميون؟


الباحثة
31-Dec-2007, 10:44 AM
كيف يفكر الإسلاميون؟
بقلم - إبراهيم الهضيبي
من بين كل الأزمات التي تحاصر الحركات والتيارات الإسلامية المعاصرة، فإن الأزمة الفكرية هي الأخطر والأكثر فتكا. ذلك أن وجود العقل المنضبط يساعد على علاج كافة المشكلات، فهو يرسم طريق النجاة ويحدد مساراته. ووجود هذا الطريق حتى في حالة عدم السير فيه أقل خطرا على الأمة من التباس الأمر عليها والسير في طرق خاطئة، إن لم تكن مهلكة ففيها من إضاعة الوقت والجهد والطاقة الكثير.
لهذا السبب تحديدا، فإن إعادة النظر في كيفية عمل العقل المسلم يصبح ضرورة ملحة. بمعنى أنه أصبح من الضروري إعادة بناء منهج للتفكير يساعد العقل المسلم على فهم واقعه، في ظل حفاظه على ثوابته، والتزامه المنهج العلمي في البحث والتقييم والتحليل، واستفادته من خبرات العقول الإسلامية الأولى، بعد نفض التراب عنها وعن مناهجها في البحث.
ويمكن تقسيم عملية بناء الفكرة إلى مراحل ثلاث: الأولى هي مرحلة ما قبل التفكير في القضية المطروحة، والثانية هي مرحلة التفكير فيما هو مطروح من أفكار، والثالثة هي مرحلة ما بعد الوصول لنتيجة مبدئية بخصوص ما هو مطروح من أفكار.
مرحلة قبل التفكير
أما مرحلة ما قبل التفكير فتتضمن بعض النقاط: أولها هو الإجابة على السؤال: لماذا التفكير؟.
وهناك في ظني نوعان من التفكير يجب التمييز بينهما: أما الأول فهو إعمال العقل بحثا عن مطلَقات، وينطلق العقل في هذه المرحلة من الشك ومن انعدام المسَلَّمات بحثا عن يقين، قيم، مرجعيات، منطلقات مطلقة؛ فإذا ما ضل الطريق ولم يجدها فإنه في الغالب يدخل في دائرة المرجعيات المتعددة.
أما إذا أدرك العقل المسلم مُسَلَّمَاته فإنه ينتقل إلى النوع الثاني من التفكير، وهو التفكير من أجل الحكم على الأمور بحسب ما تقتضيه هذه المسلمات. ذلك أن إعمال العقل بدءا من هذه النقطة يكون بحثا عن حكم الله أو سنته في خلقه، أو بعبارة أخرى فإنه يكون سعيا وراء معرفة ما تقتضيه هذه المُسَلَّمات.
ومن هنا يدرك العقل المسلم خطأ اعتقاد المقابلة والتضاد بين العقل والنص؛ فالعقل هو السبيل للوصول للنص والتعرف على قدسيته، والوسيلة الوحيدة لفهمه. بل إنه من المستحيل شرعا وجود علاقة تصادمية بينهما لكون العقل مناط التكليف، وغيابه يخرج الإنسان من الأحكام الشرعية المختلفة (فرض، مندوب، مباح، مكروه، حرام) فلا يقع على أفعاله أي حكم منها لسقوط التكليف عنه. ويستحيل شرعا التعامل مع النص في غياب العقل؛ إذ كيف تفهم مرامي الشرع ومقاصده بغير العقل؟.
وذلك يدفعنا لمناقشة نقطة أخرى ينبغي حسمها وهي التمييز بين العقل والهوى، ذلك أنه مع انعدام القطعية المطلقة عن عمل العقل يمكن للهوى أن يدخل طرفا في مناقشة القضايا المطروحة بأن يدفع العقل دفعا للوصول لنتائج بعينها عن طريق تجاهل أو تجاوز المنهج العلمي.
ويجب على العقل المسلم الباحث في أي قضية أن يكون صادقا مع نفسه قبل التفكير، فيقرر أنه يبتغي من عملية التفكير والبحث معرفة حقيقة ما تقتضيه مسلماته في هذه المسألة، لا إرضاء أهوائه؛ فيبدأ البحث وهو مستعد نفسيا لتقبل أية نتيجة يصل إليها ولو خالفت أهواءه ومصالحه وآراءه السابقة، متمثلاً قول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين). فالأمانة العلمية والعبودية الحقة تقتضيان ذلك.
وتبقى ملاحظتان هنا لابد من الإشارة إليهما؛ أولهما هي أن العقل المسلم الذي ينفصل عن الهوى لابد ألا ينفصل عن القلب، بحيث تبقى نيته خالصة لوجه الله حتى لا يفوته الأجر. أما الملاحظة الثانية فهي أن ذلك العقل يجب أن يعمل باستمرار، ويجب (مع شديد حرصه على التزام المنهج العلمي في البحث حتى لا يخطئ) ألا يقعده الخوف من الخطأ على عدم العمل. ذلك أن الشرع الحنيف قد رفع عنه ذلك الحرج، فلم يعاقبه على خطئه إذا ما اجتهد وأخلص، بل زاد على ذلك بأن جعل له من الأجر نصيبا ليحثه على أن يعمل.
مرحلة بداية التفكير
وأول ما يبدأ العقل المسلم التفكير في قضية ما فإنه ينبغي عليه قبل أي شيء آخر أن يتصور القضية المطروحة عليه بشكل منضبط. فكما تقول القاعدة الأصولية المعروفة: "الحكم على الشيء فرع عن تصوره".
وإدراك التصور السليم في مناقشة الأفكار يدور حول عدة محاور:
1- فصل الرأي عن صاحبه، أو الفكرة عن الشخص:
وهذا الفصل هام جدا لسببين على الأقل: أولهما أن ربط الأفكار بأصحابها يقضي عليها، حيث يكون التقييم في الحقيقة للأشخاص لا للأفكار، وهو تقييم (إلا في حالات نادرة ومحددة) نهينا عنه شرعا، وهو ما فعله المشركون حينما قالوا: (لو كان خيرا ما سبقونا إليه)، فهم لم يلتفتوا إلى الرسالة ولكن لـ(الضعفاء) الذين اتبعوها. وهو ما فعله قوم نوح إذ قالوا: (وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي).
كما أنه تقييم يغفل احتمال ورود فكرة حسنة على ألسنة غير الصالحين، وورود فكرة خاطئة على لسان أصحاب التقوى والصلاح، بل وأصحاب الرأي السديد أحيانا. ولو لم يكن ذلك احتمالاً واردا لما كان الحديث (الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها)، ولما كان قول الصديق: (إن رأيتموني على باطل فقوِّموني).
أما ثاني السببين فهو أن الفكرة قد تكون صحيحة أو خاطئة بالمطلق، ولكن من المستحيل وجود شخص صالح أو فاسد بالمطلق.
2- تأطير الفكرة في إطارها الصحيح:
ذلك أنه توجد ميادين مختلفة للنقد والتحليل لا يمكن الخلط بينها من دون إحداث أضرار جسيمة بمنهج البحث العلمي. فمناقشة الفكرة في ميدان العقيدة تختلف عن مناقشتها في ميدان الفقه، أو ميدان الفكر، أو ميدان السياسة، أو غيرها من الميادين، فلكل من هذه الميادين ضوابطها وأصولها، وطبيعتها الخاصة، التي يجب معرفتها لاختيار أداة البحث فيها.
ونضرب مثالاً على ذلك؛ فاليهود في ميدان العقيدة كافرين، والكفر هنا وصف محايد لكفرهم بما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم، وعدم إيمانهم بنبوته، أما في ميدان الفقه فلا يتم التعامل باعتبار اليهودي كافرا، وإنما باعتباره من أهل الكتاب، ومن ثم تقع عليه أحكام أخرى، فتحق له ممارسة شعائر ديانته في بلاد المسلمين، وينال حقوقه كمواطن في بلادهم، ويأكل المسلمون من طعامه، ويحدث بينه وبينهم تناسب وتصاهر.
أما موقع اليهودي في ميدان الفكر فإنه يعتمد بالأساس على توجهه الأيديولوجي؛ فلو كان صهيونيا فإننا نعادي أفكاره الاستعمارية التي تقيم دولة على غير أرضها بظلم لأهل البلد الأصليين، وإن كان من مناهضي الصهيونية فإنه يكون أقرب (فكريا) للحركة الإسلامية من بعض المسلمين، وقد يكون له اتجاه ثالث ورابع وخامس يتم التعامل مع كل منها بحسب درجة قربها أو بعدها عن أفكارنا كمسلمين. كل ذلك في ضوء القواعد العامة للشريعة الإسلامية.
وتحديد إطار التناول موضوع اهتم به السلف؛ فكان واضحا لديهم أن الخلاف في أصول العقيدة كفر، ولم نسمع أن أحدا كفَّر غيره بسبب خلاف فقهي، فضلاً عن أن يكون الخلاف فكريا. ويجب تطبيق ذات المعايير على واقعنا.
وهذا النوع من التأطير تزداد أهميته في ظل تعقد الواقع؛ فمن غير المعقول أن يكون المتبحر في مسائل فقه العبادات مثلاً هو ذاته المتخصص في دراسة وتحليل القضايا السياسية التي تحتاج إلى الكثير من البحث والدراسة، والفك والتركيب، والنظر إلى الواقع وتحليله.
3- ضبط موقع الفكرة بين الفلسفات والتطبيقيات:
فمن أسباب الحكم الخاطئ على بعض الأمور أن من يدرسها ويحللها لا يحاول وضعها في مكانها على تلك المسطرة. والأفكار لا تأتي في صورة واحدة؛ فقد تكون فلسفة، أو أيديولوجية ناتجة عن الفلسفة، أو فكرة إجرائية مفعلة للفلسفة، أو نتيجة لتفعيل الفلسفة، أو تكون تجليا لتلك النتيجة.
فالشورى في الإسلام فلسفة؛ وهي قيمة أو خلق في ذاتها ينتهجه المسلمون بقطع النظر عن نتائجها؛ ويجب النظر إليها بهذا المنظار. أما الليبرالية الغربية فتأخذ أشكالا عديدة؛ فهي أيديولوجية ناتجة عن فلسفة (العلمانية الشاملة) التي تفصل الأشياء عن قيمها المطلقة أو أبعادها المعرفية، كما يقول الدكتور عبد الوهاب المسيري. وهي بهذا الفهم تعني الفردية والحرية الشاملة بقطع النظر عن القيم الأخلاقية، الفلسفية، الدينية، الشاملة، بحيث تصبح المصلحة بديلاً للأخلاق، وبالتالي فلا يمكن إغفال التناقضات بين (الأيديولوجية الليبرالية) والإسلام كمنهج يعير الأخلاقية اهتماما بالغا.
ويمكن النظر لليبرالية إجرائيا؛ باعتبارها حق الإنسان في الاعتقاد وحقه في اختيار ممثليه وحكامه إلى آخر هذه المعاني المقبولة إسلاميا. وإذا كانت الليبرالية الإجرائية تتمثل في الديمقراطية فإنه من الممكن النظر لها على أنها فكرة إجرائية مقبولة لتفعيل فلسفة/قيمة الشورى.
ويمكن تقييم الليبرالية كذلك من خلال نتائجها؛ من وجود الانتخابات الدورية التي يتم خلالها انتخاب حكومات بشفافية ونزاهة لتعبر عن آراء الشعب وتنهض بآماله وأحلامه، وهي أيضا مقبولة في تلك الحالة.
ويمكن أن نربط بين التجليات الليبرالية وأصولها على المستويين الأيديولوجي والإجرائي، فالحريات واحترام حقوق الإنسان في داخل المجتمعات الغربية هي من نتاج الليبرالية الإجرائية التي تجبر الحكومات على احترام الشعب الذي اختارها. أما السياسات الغربية في الشرق الأوسط فهي من نتاج الليبرالية الأيديولوجية التي لا تهتم بالأبعاد الأخلاقية، بل بالمصالح فحسب.
ما يعنيني هو أنه يجب تأطير القضية المعروضة للتفكير في إطارها الصحيح على تلك المسطرة حتى لا نرفض ما يمكن قبوله أو نقبل ما لا يصح إلا رفضه.
4- ضبط الإطار الزماني والمكاني للفكرة، أو سياقها التاريخي:
ذلك أن الأفكار لا تعيش منعزلة عن واقعها المحيط، ومن ثم فإنه لا يمكن تقييم وتحليل فكرة إلا بوضعها في إطارها الزماني والمكاني.
هنا يجب الإشارة إلى أمرين؛ أولهما أن نصوص القرآن في معظمها لا تخضع لذلك التأطير التاريخي (إلا حيث أشارت هي بذلك)؛ لأن القرآن نص قادم من (خارج التاريخ) يحكم على التاريخ ولا يحكم عليه التاريخ، وذلك بحكم مصدره وأبدية خطابه وعالمية رسالته.
أما الثاني فهو أنه لا ينبغي أن يُتخذ هذا التأطير التاريخي ذريعة لتبرير أخطاء التاريخ، فما فعله معاوية (رضي الله عنه) من حرمان الأمة من حقها في اختيار الحاكم خطأ لا يمكن تبريره تاريخيا، وليس في هذا القول انتقاص من قدر معاوية، فنحن بصدد مناقشة فكرة لا شخص.
ويجب التعامل بهذا المنهج مع أقوال الفقهاء، وخاصة في باب المعاملات. فإذا كانت نصوص الشريعة غير تاريخية، فإن الفقهاء أبناء تاريخهم، يحكمون على الأمور بعين واقعهم. وبالتالي فأسبقيتهم لا تعني بالضرورة تقديم آرائهم على المعاصرين، بل يجب على أقل تقدير إعادة إنتاج أقوالهم في إطار معاصر.
هذا هو ما أشار إليه المفكر عبد الحليم أبو شقة في كتابه القيم (نقد العقل المسلم)، حين قال إن إعادة إنتاج التراث لا تعني إعادة طباعة الكتب طباعة فاخرة مع إضافة بعض الشروح والحواشي، وإنما إعادة إنتاج الأفكار مع تنزيلها على الواقع المعاصر. وذلك أمر يقوم به العلماء المتخصصين، وفي الأمور التي تتغير فيها العلة فينبني على ذلك تغيير في الحكم.
5- وضع الفكرة في مكانها من ثنائية العبادات والمعاملات:
وذلك لمجموعة أسباب ذات تأثير على سير العملية البحثية بشكل علمي منضبط، أولها الاختلاف الفلسفي بين المجالين؛ فكما يقول الإمام البنا، فإن "الأصل في العبادات التعبد من دون الالتفات إلى المعاني، والأصل في المعاملات هو الالتفات للحكم والمعاني والأسرار".
على أن وجود الموضوع المطروح للبحث في أحد المجالين لا يعني اختفاءه من الآخر، وتلك ملحوظة قيمة أوردها العلامة القرضاوي عند مناقشته لقضية الزكاة؛ فأشار إلى أنها من حيث الوجوب والكمية عبادة، أي حق لله، ومن حيث الكيفية فهي معاملة، أي حق للفقراء.
فإذا قسمنا الأمور بهذا الشكل أمكن لنا أن ننزل (العبادي) منزلته، فلا نبحث في أسراره بما لا ينبني عليه عمل، ونتناول (المعاملاتي) فندخله على الميادين الفكرية المختلفة، فنخرج بنتائج أقرب للمقصد والمصلحة.
فتلك الملحوظة التي أشار إليها القرضاوي هي نتاج التعامل مع الزكاة في أطر مختلفة: عبادي ومعاملاتي، من الممكن أن ينتج عنه نتائج تتعلق بكيفية أداء الزكاة في المجتمعات المعاصرة، فهي في المفهوم العبادي عبادة وواجب لابد من تأديتها، وتنقسم معاملاتيا إلى قسمين اقتصادي واجتماعي، اجتماعي لكونها صورة للتكافل بين أبناء المجتمع الواحد، فيجب أن تتم بشكل يؤدي هذا الغرض، واقتصادي لكونها حقا للفقراء فيجب أن يتم إخراجها بالشكل الأصلح لهم.
هكذا، وباستخدام تلك المناظير المختلفة يكون (النص) أقرب للفاعلية، وتكون الغاية من ورائه أقرب للتحقيق، ويكون الحكم بالتالي أقرب للصواب.
6- تحرير محل النزاع:
ذلك أنه في بعض الأحيان يكون سبب الخلاف هو مناقشة قضيتين مختلفتين!! فالخلاف الذي قد ينشأ بين مجموعة من الأفراد يتناقشون حول أفضل الطرق للوصول لمدينة مجاورة قد يكون من أسبابه عدم التعريف الدقيق للمقصود بأفضل الطرق؛ أهو أقصرها أم أكثرها أمانا أم أسهلها أم أسرعها.
وتلك نقطة هامة؛ فهي من ناحية تساعد على الوصول لأحكام متعلقة بالموضوع المطروح للمناقشة لا غيره، ومن ناحية أخرى تضع الخلاف في مساحته الطبيعية.
تلك النقاط كلها تهدف لتعريف الفكرة المطروحة للنقاش بدقة، وتحديد الأدوات الخاصة بالتعامل البحثي معها، وتأتي بعد ذلك مناقشتها وتقييمها بشكل علمي وموضوعي، وهو يتم من خلال مجموعة من المنهجيات والوسائل يضمن التزامها اقتراب نتائج البحث من الصواب. وتلك المنهجيات هي:
1- تجنب القفزات المنطقية:
وأعني بذلك أنه لابد من الانتقال التدريجي من المعطيات إلى النتائج في البحث، ويجب مع ذلك الوقوف عند كل مرحلة وعمل (جرد) لكل النتائج الممكنة، ثم تقييمها لاختيار الأصح والأنسب من بينها.
وهناك أسباب عدة تعيق العمل العقلي المنضبط وفق هذه القاعدة؛ أولها وجود نتائج مسبقة تحاول النفس الوصول إليها بقطع النظر عن سلامتها، وكذلك نظرية المؤامرة التي تلغي هذه المنهجية بصورة كاملة من عمل العقل المسلم. (وأنا هنا لا أحاول نفي وجود المؤامرة بالكلية، ولكني ضد التعامل مع كل المحيطات بهذا المنظور على نحو يعجزنا عن فك رموز المصالح الدولية المتشابكة، وكذلك يعجزنا عن التعامل مع مشكلات واقعنا برؤية موضوعية وتسلسل منهجي يمكننا من النهوض).
2- ربط الأسباب بمسبباتها المباشرة في إطار الإيمان بالقدر:
فمن غير المنطقي للباحث أن يحاول باسم الدين أن يفسر كل أزمة تمر بها الأمة على أنها نتيجة طبيعية لبعد الناس عن دينهم. وأرجو أن ندقق في تعريف بعض الأمور؛ فالإسلام ليس دينا فحسب؛ بل هو فكرة شاملة أو "نظام شامل يتناول جميع مظاهر الحياة" كما عبر عن ذلك حسن البنا.
وبالتالي فالعودة للدين (بشكله المظهري والعبادي المحض) ليست بالضرورة عودة للإسلام؛ فالحفاظ على الصلاة، وارتداء الحجاب، وإطلاق اللحى عودة للدين، ولكن العودة للإسلام لا تقتصر على ذلك، وتلك أمور أبدا ليست السبب في انتصار أمة الإسلام كما يروج البعض، فقبل عقدين أو ثلاثة كانت نسبة الحجاب أقل منها اليوم، وكذلك نسبة الملتحين والمصلين، بيد أن حالة الأمة السياسية والاقتصادية كانت أفضل كثيرا منها اليوم.
والسبب أن مسلمي اليوم وإن كانت نسبة كبيرة منهم قد عادت لبعض مظاهر التدين بمفهومه العبادي، فإنهم أبدا لم يعودوا للإسلام بمفهومه الشامل والحياتي الحضاري، وتحقيق التقدم يحتاج إلى العمل في الميادين المختلفة، لا إلى الصلاة والحجاب فقط (دون تقليل من أهميتهما).
أعود فأقول إن المنهج الإسلامي في البحث يقتضي ربط الأسباب بمسبباتها في إطارها الإيماني القدري، فالأمة انحط حالها لا لأنها تركت الصلاة فقط، إنما لأنها ارتكبت ذنوبا تؤثر بشكل مباشر في قيام وسقوط الحضارات، مثل الظلم والاستبداد (إنما أهلك من كان قبلكم أنه كان إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيها الضعيف أقاموا عليه الحد)، والفساد والرشوة وغياب التخصص (مثل حديث الرويبضة، أو السفيه الذي يتحدث في أمر العامة)، والأخطر من ذلك هو قبولنا بتلك الذنوب وعدم مواجهتها بالقدر الكافي (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه).
وعلاج هذه الأزمات هو الذي يبني نهضة الأمة، وأي حديث عن أن النصر يأتي بالإصلاح القلبي لخصوصية الأمة هو حديث مضلل، فالمنن لا تأتي إلا بعد السنن كما قال الأولون.
فيجب على العقل المسلم أن يعمل من هذا المنطلق؛ أن يربط الأسباب بمسبباتها المباشرة الحقيقية حتى يستقيم التحليل وتصح وسائل العلاج للأزمات المختلفة.
3- تحديد أصل الفكرة محل النقاش:
حتى يستطيع العقل نقدها بشكل صحيح؛ ذلك أن مجتمعاتنا المعاصرة تعاني خلطا شديدا بين ما هو ديني ذو أصل، وبين ما هو ثقافي وعرفي لا أصل له في الدين.
وعدم الانتباه لهذه النقطة يعيق العقل المسلم كونه يجعله يقدس ما ليس بمقدس؛ فتضيق عليه ساحات العمل، وتضعف قدرته على النقد والبناء، والأخطر أنه يتوهم تناقض العقل والشرع؛ لأنه يتعامل مع التراث باعتباره شرعا.
والخطورة أيضا تكمن في انقطاع الأفكار الأصلية (الموجود لها أصول في القرآن والسنة) عن أصولها، التي لا يتعرف عليها الناس، وهو ما يؤدي إلى موت الفكرة (كما قال مالك بن نبي) وهو أمر له خطورته على تجذر الأصول الدينية في المجتمع، فهو يثبت في وعي العامة مجموعة من القيم من دون ربطها بأصولها، مما يترك المجال مفتوحا أمام تثبيت أفكار أخرى منقطعة الصلة بالأصول المعرفية في الوجدان والثقافة، ويتم توصيفها على أنها جزء من هذه الأصول المعرفية.
ومن أمثلة ذلك قضية المرأة وقيادة السيارات في المملكة العربية السعودية؛ فتلك قضية لا علاقة لها بالأصول المعرفية للمجتمعات الإسلامية، وإنما بثقافة قطرية خاصة بالمجتمع السعودي. ومحاولة (أسلمة) هذه الفكرة لم تكن ممكنة لو كانت أفكار المجتمع مرتبطة بمصادره الأصلية لا بالنصوص الموازية التي يرجع إليها، من آراء لفقهاء ومفسرين بعينهم تعتبر آراؤهم وتفسيراتهم – من دون قصد - مقدسة من قبل البعض.
وأنا لا أسعى للتقليل من قدر تراث الأمة من فقه وتفسير للنصوص المقدسة، ولكني أنبه لخطورة الخلط بينهما وبين النصوص الأصلية؛ وهو ما من شأنه إنشاء (نص بديل) مكون من آراء الفقهاء يهتم به الناس ويستندون إليه كمرجعية على حساب النص الأصلي الذي ارتضاه الله تعالى لأمته، وأنا لست ضد الاستدلال بالنصوص (أو بتعبير أدق بالمتون والشروح) التي أنتجها علماء الأمة عبر تاريخها الطويل، ولكني ضد بتر هذه النصوص عن أصولها المرجعية (القرآن والسنة)، أو أن يتم التعامل معها باعتبارها مطلقات، فيرفض أي اجتهاد من خارج إطارها، ولو سمح به القرآن والسنة.
4- حرية الأطروحات وحرية الأسئلة:
أما حرية الأطروحات فمقصود بها أنه لا يجب الحجر على العقل أثناء تفكيره بوضعه أمام عدد محدد من التفسيرات لظاهرة، أو الحلول لأزمة؛ فذلك توجيه للعقل يخالف المنهج العلمي في التفكير، ويضيق ما جعل الله فيه سعة. وإنما يجب أن ينطلق العقل في عالمه بحرية قبل أن يعود ليطرح ما وجده على منهجه وآلياته؛ فقد تكون في الفكرة المستحدثة صحة، والحرية الفكرية تضفي حيوية تسمح بتجديد الأفكار، وهو تجديد محمود طالما التزم منهج البحث العلمي الإسلامي.
وأطروحات كالعمليات الاستشهادية، والمواطنة، والديمقراطية، والدولة المدنية، جديدة على العقل المسلم، ولو كان التفكير من خلال كانتونات مغلقة لما وجدت طريقها إلى داخل الفكر الإسلامي، بل ولربما ظللنا نتعامل مع العلاقات الدولية بمفهوم دار الحرب ودار الإسلام، الذي كان مناسبا لعصر أبي حنيفة؛ لأنه وصّفه بدقة، ولكنه غير مناسب لعالم اليوم.
أما حرية الأسئلة فأعني بها ضرورة ألا تكون هناك أسئلة محرمة في الإطار الفكري. وقد علمنا ديننا أن الأسئلة والبحث من الأمور المحمودة. وحرية العقل تسمح لكافة الأسئلة بأن توضع على الطاولة وتتم مناقشتها بشكل علمي، بدلاً من أن تنمو الأفكار المريضة في عقول البعض بسبب خوفهم من البوح بها. وتحتاج هذه الحرية إلى أن يتحلى العقل المسلم بالشجاعة اللازمة في مواجهة (عسكرة ساحات الفكر) الواقعة، ذلك أمر لابد منه لضمان غياب (ثقافة التقية) التي قد تنتج بسبب خوف البعض من طرح ما لديه من تساؤلات، بما يشكل خطورة حقيقية على المجتمع المسلم.
5- تحديد دور القلب في البحث العلمي:
للقلب دور هام، وهو توجيه عملية البحث لوجه الله. ويستلزم هذا الدور منع الأهواء من التدخل في عمل العقل. فالعقل يجب أن يكون وحده المشكِّل لنتائج البحث، بعيدا عن تأثيرات الأهواء والعواطف.
ولا أقصد بذلك التقليل من أهمية دور العاطفة، فالعاطفة هي جزء أصيل من الإسلام، إلا أنه لابد من تحديد مجالات عمل العقل والعاطفة والفصل بينهما؛ لأن العاطفة ليست ثابتة؛ وهي متغيرة صعودا وهبوطا في الشخص الواحد، فضلاً عن تباينها ما بين شخص وآخر. من أجل ذلك جُنبت العاطفة عن مسائل الفقه وتشكيل الوعي؛ لأنها تحتاج إلى استقرار وثبات ومنطق يجمع بين الجميع.
والعاطفة مجالها كتب وعلماء التزكية والتربية، وما جد من وسائل الإعلام وتشكيل الرأي العام أو التيار العام والروح السارية، ودورها هام في تشكيل الوعي الجمعي للأمة، وتقوية الروابط بين أبنائها، وإعلاء وحدتهم والسمو بها فوق اختلافهم، بيد أن صياغة هذا الوعي مهمة العقل المجرد المكلف بـ(إنتاج) الفكرة ثم تركها للعاطفة لتتولى مهمة نشرها، بالصورة التي عبر عنها الإمام البنا حين قال في رسالة المؤتمر الخامس: "ألجموا نزوات العواطف بنظرات العقول، وأنيروا أشعة العقول بلهب العواطف، وألزموا الخيال صدق الحقيقة والواقع، واكتشفوا الحقائق في أضواء الخيال الزاهية البراقة، ولا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة، ولا تصادموا نواميس الكون فإنها غلابة ولكن غالبوها واستخدموها، وحولوا تيارها، واستعينوا ببعضها على بعض".
وأخيرا، يجب على العقل المسلم أن يستفيد بـ (الأدوات البحثية) التي ورثها عن أسلافه، والتي تساهم في الخروج بالفكرة المجردة إلى أرض الواقع. وما أعنيه هو مجموعة الآليات التي ابتكرها العقل المسلم (أو استنبطها من الشرع) لتعينه على الوصول إلى أحكام أقرب للصواب والفعالية؛ وهي تنقسم إلى قسمين: آليات فهم النص، وتشمل علم الأصول والقواعد الأصولية والقواعد الفقهية؛ وآليات تطبيق النص، وتشمل مجالات كفقه المقاصد والمصالح والأولويات والمآلات والواقع والموازنات.
وإغفال العقل المسلم لتلك الأدوات ذنب علمي؛ فهي أدوات كما يتضح من أسمائها تساعد في تقدير حجم الاهتمام اللازم للقضية المطروحة، والأسلوب والوقت الأمثل لطرحها، وغيرها من الأمور التي تجدوَل في موقعها المناسب على (جدول أعمال الأمة)، وهو ما يدفع باتجاهه (علماء الصحوة الإسلامية) الوسطيون ويقومونه. وباستخدامها فإن العقل المسلم يستطيع أن يناقش الأفكار بشكل شرعي علمي حضاري منضبط، إلا أنه تبقى له بعد الوصول لنتيجة مبدئية بخصوص فكرته أمور لا بد له من القيام بها.

الباحثة
31-Dec-2007, 10:52 AM
مرحلة ما بعد التفكير
بعد أن يصل العقل المسلم لإجابات وأفكار مبدئية بخصوص ما يطرح عليه، يصبح أمام واجبين أساسيين: التعرف على الآراء الأخرى المتعلقة بذات الموضوع؛ وإدارة الخلاف في الرؤى بشكل منضبط.
أما مراجعة ما توصل إليه في ضوء الأفكار الأخرى فهي تضع الباحث أمام تحديين أخلاقي وعلمي. فهو أخلاقيا مطالب بالتخلي عن شهوة الانتصار لفكرته مقابل البحث عن الحقيقة ولو كانت في غيرها؛ وهو مطلب (على سهولته النظرية) يحمل الكثير من الصعوبات التطبيقية، كون الفكرة الناتجة عن هذا المنهج العلمي تحمل في طياتها قدرا من الصواب قد يغري صاحبها (مع وسوسة الشيطان) بالتمسك بها ولو تبين أن غيرها أصوب، وهو يضع المسلم أمام اختبار يتعلق بقبوله للنقد في أفكاره، فضلاً عن قيامه هو بذلك النقد؛ والمسلم مطالب بهذا النقد وتلك المراجعة يقوم بها متمثلاً قول الله تعالى: (ولا أقسم بالنفس اللوامة) وقوله: (قل هو من عند أنفسكم) بما يحمل من اتهام للنفس بالتقصير.
وأما التحدي العلمي فلا بد وأن يسعى العقل لفهم الفكرة الأخرى، وذلك بأن يسير معها بطريقة عكسية في المسار الذي صنع فيه فكرته، ويحاول أن يحدد بشكل علمي رصين أسباب الاختلاف بين الرأيين.
وهناك نوعان للخلاف؛ خلاف بين الحق والباطل (أو بين فكرتين صحيحة وخاطئة) وخلاف بين أمرين ليس فيهما صواب أو خطأ مطلق، وكلا منهما ينقسم لقسمين فرعيين، وليتبين الفارق في الخلاف يمكن الاستعانة بمجموعة من الأمثلة البسيطة التي تميز بين هذه الأنماط الأربعة من الخلاف؛ وهي الخلاف غير المقبول، وخلاف الخطأ المعذور، وخلاف الحق والحق المنهجي، وخلاف التنوع السياقي الشخصي.
أول هذه الأمثلة والمتعلق بالخلاف غير المقبول طرحه عليَّ المستشار طارق البشري أثناء حديث لي معه؛ وقد كان جالسا أمام طاولة فقال: "إنه من المقبول أن نختلف حول وظيفة هذه الطاولة، فأقول إنها للطعام وتقول إنها للكتب، أما غير المقبول فهو أن ينظر إليها أحد ويقول إنها ليست طاولة". إلى هنا انتهى كلام المستشار البشري.
وقائل هذا الرأي ليس معذورا؛ فهو إما أعمى (وهنا يكون أصدر حكما بغير امتلاك الأدوات اللازمة للبحث وهو فعل خاطئ غير معذور) وإما مكابر (وهو أيضا خاطئ غير معذور).
وهذا هو أكثر أشكال الخلاف وضوحا، والوحيد الذي يمكن معه اتهام الشخص المخطئ بالتقصير، ولا يمكن أن يقوم بذلك الاتهام إلا من بلغوا من العلم والأخلاق مكانة تجعلهم أولا متيقنين من استحالة الوصول إلى ما وصل إليه بالتزام المناهج العلمية، وثانيا تجعل شهادتهم مقبولة بشروط قبول الشهادة، وتجعلهم لا يسيئون للأشخاص المخطئين إلا في إطار خطئهم.
وللأسف فإن هذه الشروط يتم تناسيها بالكلية؛ فالمسائل التي يتم فيها الإنكار (خاصة بين الإسلاميين وبعضهم) لا تتعلق بالحق والباطل، ومن يقيم وينتقد هو - كما يقول الغزالي - حديث عهد بعلم، إن كان له به عهد.
وفي ظل غياب الأرضية العلمية الصالحة للمناقشة فإن أسهل ما يقوم به أنصاف المتعلمين حين يواجهون بآراء لا تعجبهم ولا ترضي (أهواءهم العلمية) هو تجريح أصحاب هذه الآراء بدلا من مناقشة أفكارهم.
وخلاف الخطأ المعذور يتمثل في مجموعة من الناس يعرض عليهم شرب عصير (كوكتيل) من دون أن يتم إخبارهم بنوعه، ثم يطلب منهم تحديده. وفي هذه الحالة سـ(يجتهد) كل منهم في تحديد نوع العصير، وسيختلفون؛ إلا أن كل من اختلف سيكون مخطئا إلا من قال بالكوكتيل.
والفارق الأساسي هنا هو أن من أخطأ معذور؛ كونه اجتهد مع استخدام الوسائل اللازمة إلا أنه وصل لنتيجة خاطئة؛ وهذا يجب رفض فكرته مع التماس العذر له، وحسن الظن به.
ولا يملك الحكم بخطأ من قالوا بغير (الكوكتيل) إلا من يعرف يقينا أن المشروب (كوكتيل)، وبالتالي فلا يصح أن يخرج طلبة العلم ويخطِّئوا العلماء، فمن غير المقبول أن يقرأ بعض الناس آيات أو أحاديث قليلة لا تحيط بالموضوع من جوانبه، وربما يضيف على ذلك مجموعة من التفسيرات بعينها ثم يجرح العلماء. وهؤلاء قال فيهم الغزالي (رحمه الله) في قول لم يخل من قسوة: "وغايتي حماية الثقافة الإسلامية من ناس قيل فيهم: إنهم يطلبون العلم يوم السبت، ويدَرِّسونه يوم الأحد، ويعملون أساتذة له يوم الإثنين، أما الثلاثاء فيتطاولون على الأئمة الكبار ويقولون: نحن رجال وهم رجال! هكذا بين عشية وضحاها يقع زمام المسلمين الثقافي بين أدعياء ينظر إليهم أولو الألباب باستنكار ودهشة".
وأما خلاف الحق والحق المنهجي، فيتمثل في مناقشة تدور بين أربعة أفراد حول كوب من البلاستيك مملوء حتى ما قبل المنتصف بماء دافئ؛ يقول الأول إن الكوب مملوء إلى ما قبل المنتصف، ويقول الثاني إن أكثر من نصف الكوب فارغ، ويقول الثالث إنه يجب الاحتراس في الشرب من الكوب لأنه من البلاستيك الذي يمكن أن يتفاعل من الماء، بينما الرابع يشير إلى الفوائد الصحية للشرب من الماء الدافئ.
وكل من هؤلاء أصاب جزءا من الحقيقة، واختلافهم ناتج عن أولويات أو رؤى مختلفة، أو اهتمامات لحظية وغير لحظية متباينة. فالأول غالبا سعيد لوجود الماء لأنه يشعر بالعطش، أما الثاني والذي يشعر بالعطش كذلك فإنه قلق لأن الماء قد لا يكون كافيا ليروي الجميع.
أما الثالث والرابع فكلاهما ينظر من منظور صحي مختلف؛ فأحدهما ينظر إلى الماء فيعتبر أن شربه وهو دافئ أمر له فوائد صحية فيحث عليه، وأما الآخر فينظر إلى الكوب فيبدي قلقه من احتمال تفاعل المادة المصنوع منها مع الماء فيؤدي ذلك إلى تسرب مواد سامة إلى الجسم.
كل منصف لابد وأن يلحظ أن كل تلك الحجج الأربعة وجيهة، وأنه (وإن جاز الترجيح بينها) فليس في الأمر حق أو باطل، بل هو اجتهاد ورأي ينتج عن التجربة الشخصية لكل من المجتهدين، ورؤيتهم للواقع وأولوياته في تلك اللحظة. وينبغي للعقل المسلم أن يدرك أن هذا النوع من الاختلاف والتنوع لا مفر منه، وهو مقبول بل محمود.
يجب على العقل أن يتعامل مع هذا النوع من الاختلاف (والذي يليه) متمثلا قول الله (ولذلك خلقهم)، فكما يقول عدد من المفسرين إن الآية تعني: أي للاختلاف، ويجب كذلك التنبه إلى أن هذا الاختلاف يثري المجتمع ويحرك قواه الفكرية الراكدة فيؤثر فيه إيجابا.
ونلحظ ذلك بالعودة إلى مثل كوب الماء؛ فالأخذ بالاجتهادات مجتمعة يقول إن هناك ماء، ولكنه لا يكفي الجميع فيجب الاقتصاد فيه، وأنه إذا كان في الماء الدافئ فائدة فيجب التنبه إلى أن تركه كثيرا في الكوب قد يؤدي لحدوث تفاعلات كيميائية تسممه؛ ومع كل هذا فإن تلك الصورة الكلية لا تلغي الصور الجزئية المنبثقة عن الاجتهادات المختلفة، فيبقى لكلًٍّ أن يأخذ من ذلك الاجتهاد ما يناسب ظروفه ومكانه.
وهذا النوع من الاختلاف هو أقرب ما يكون إلى الاختلاف القائم بين المذاهب الفقهية؛ فكل منها صحيح، ولكن أي منها ليس مطلقا.
أما خلاف التنوع السياقي الشخصي، فيتمثل في مجموعة أفراد يتناولون الغذاء معا، فيختار كل منهم وجبة مختلفة؛ وتلك مسألة شخصية لا صواب فيها ولا خطأ. وينطبق ذلك المثل على من يجد في قلبه استجابة أكثر للخطاب الوعظي، ومن يجد في الخطاب المطمع في الجنة تحريكا أكبر لقلبه، وثالث يجد تحريك قلبه في الحديث عن غزوات الرسول وسيرته، ورابع يتفاعل أكثر مع أحاديث الأخوة.
فتلك خلافات لا تتعلق بالحق والباطل، بل ولا سبيل للترجيح فيما بينها، فهي خلافات قد تكون شخصية (أي ناتجة عن تنوع الشخصيات البشرية بطبيعتها، مصداق قول الله عز وجل: (ولا يزالون مختلفين)، وقوله: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا)، الذي يمهد لمنهجية التعامل مع هذه الخلافات بوصفها نوعا من أنواع التنوع الذي يثري الحياة بأن يزيد الحرص على التعارف.
وقد تكون خلافات سياقية (أي ناتجة عن اختلاف السياق بين المتحدثين من خبرات شخصية وغيرها). على أن ذلك لا يندرج (إلا قليلا) في مجال استصدار الأحكام العامة في الفكر والفقه، وإلا كان ذلك إدخالاً للهوى في أمور العقل، وهو ما سبق ونبهنا لخطورته.
وأخيرا يبقى التنبيه إلى أن الخلاف تجب إدارته في إطار المنظومة الأخلاقية الشاملة للإسلام، أي أن الخلاف مع الأفكار يجب ألا يتحول لتجريح في الأشخاص. وتجب الإشارة هنا إلى أن علم الرجال نشأ ونمى ليؤدي دورا تاريخيا، وهو تسجيل سير من نقلوا إلينا أحاديث الرسول في وقت كانت الثقافة فيه مسموعة لا مكتوبة. والمقصود من هذا العلم كان التوثيق ممن ينقل هذه الأخبار، فكان علما هاما ولا استغناء عنه في نقل النصوص الأساسية للدين الإسلامي بشكل علمي موثق. وقد أصبح هذا العلم الآن لا داعي له؛ لأن الأحاديث محوية في الكتب ولا تنقل شفهيا، وقد تم جمعها وتدوينها جميعا.
أما وقد تم ذلك، فلم يعد هناك سبب بعد الآن لتناول الأشخاص بسوء (وهو أمر للأسف يحدث بسبب أقل الخلافات في داخل الحركة الإسلامية، بل وفي داخل الفكرة الواحدة والتنظيم الواحد أحيانا).
يجب على العقل المسلم أن يعمل في إطار الأخلاقية الشاملة الإسلامية، التي لا تستبيح عرض المخالف بسبب مخالفته، بل تناقش الفكرة بالفكرة والرأي بالرأي.
ويجب على العقل المسلم أن يخرج من مرحلة الاستثناء (التي دفعته أحيانا للتجريح في بعض الأشخاص لضرورة حقيقية ومصيرية هي التأكد من صحة ما يحملونه من أحاديث) إلى الأصل الثابت الموجود في شرعنا والذي ينهى عن ذكر الأشخاص بسوء مهما كانت المسببات (ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه).
أما وقد نبهت لتلك النقطة فإنني أنتهي من تلك الورقة التي حاولت خلالها بما منَّ الله به علي أن أرسم خريطة عمل للعقل المسلم تبدأ به من البدايات الأولى وتصل به إلى النهاية، أعرضها سائلاً الله عز وجل القبول والأجر، وأن ينفعني بها وإخواني، ثم سائلاً إخواني النصيحة في تصحيح ما يرونه من أخطاء، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، والحمد لله رب العالمين.

كاتب مصري.

أحمد حسن المحامي
31-Dec-2007, 08:45 PM
الموضوع هام..ولكن هناك علامات استفهام كثيرة ، فالعنوان مثير ..كيف يفكر الإسلاميون ؟ فما المقصود بالإسلاميين ؟؟ أهو كل مسلم ..؟ أم المقصود الاخوان أم السلفية أم الغلاة أم الشيعة ، ثانيا الرابط بين العنوان وبين الموضوع فمثلا ما هو دور التفكير بين العقل والنقل ...لذلك أرى الموضوع هام

الباحثة
01-Jan-2008, 02:39 AM
في الحقيقة أخي أ/أحمد لقد لفت نظري هذا المقال على موقع إسلام أون لاين،فالكاتب هنا لا يتكلم عن فئة بعينها، إنه يضع قواعد على العقل المسلم أن يتبعها خاصة أصحاب التيارات والحركات الإسلامية ،ولعل أهم ما يميز المنهج الذي اعتمده هو الدقة والموضوعية والانفتاح والخصوصية التي تميز ذلك المنهج لأنه ينطلق من مسلمات لاتقيد أو تحد بل تضبط وترشد .
أما عن الرابط بين العنوان والموضوع فلست أرى في الموضوع ما يتعارض مع العنوان ،فالموضوع يعرض منهجية متوازنة للتفكير منبعها رؤية وسطية تحل الكثير من الإشكاليات التي يعاني منها بعض من ينتمون للتيار الإسلامي.
أما عن دور التفكير بين العقل والنقل فالكاتب كان واضحا في أنه لا يمكن أن يكون هناك تعارض بينهما لأن العقل هو مناط التكليف ،وهو المخاطب بما جاء في النقل.

أحمد حسن المحامي
03-Jan-2008, 09:23 PM
في الحقيقة أخي أ/أحمد لقد لفت نظري هذا المقال على موقع إسلام أون لاين،فالكاتب هنا لا يتكلم عن فئة بعينها، إنه يضع قواعد على العقل المسلم أن يتبعها خاصة أصحاب التيارات والحركات الإسلامية ،ولعل أهم ما يميز المنهج الذي اعتمده هو الدقة والموضوعية والانفتاح والخصوصية التي تميز ذلك المنهج لأنه ينطلق من مسلمات لاتقيد أو تحد بل تضبط وترشد .
أما عن الرابط بين العنوان والموضوع فلست أرى في الموضوع ما يتعارض مع العنوان ،فالموضوع يعرض منهجية متوازنة للتفكير منبعها رؤية وسطية تحل الكثير من الإشكاليات التي يعاني منها بعض من ينتمون للتيار الإسلامي.
أما عن دور التفكير بين العقل والنقل فالكاتب كان واضحا في أنه لا يمكن أن يكون هناك تعارض بينهما لأن العقل هو مناط التكليف ،وهو المخاطب بما جاء في النقل.
أختاه الكاتب يتحدث عن قواعد ويستشهد بقواعد فقهية ثم يطالب بالموضوعية ، هل تعلمي يا أختاه أن القواعد الفقهية يختلف تطبيقها من مذهب لمذهب آخر وتختلف في التطبيق بين المذاهب السنية والمذاهب الشيعية ، فأين الموضوعية في التفكير ، وهناك خلاف بيّن بين المخاطبين بذات القاعدة

الباحثة
03-Jan-2008, 10:11 PM
أخي / حسب فهمي للموضوع الكاتب ينطلق من أطر وقواعد عقلية منطقية لايختلف عليها أحد ،وأما عن الاستشهاد فإنه لم يخصص مذهبا بعينه وإنما كان لابد من إيراد أمثلة ونماذج لشرح الفكرة وهي أمثلة في مجملها عامة ،ومن البداية الموضوع يتحدث عن منهجية لتفكير المسلم فلا بد أن تنطلق من ثوابت إسلامية وقواعد فقهية .
أما عن اختلاف التطبيق بين المذاهب فهذا أمر آخر يعود إلى أسباب لاعلاقة لها بهذه الأسس المنطقية في التفكير فبعضها يعود إلى اختلاف في الفروع وهذا اختلاف مشروع لايضر بل يثري ويتفاعل مع المتغيرات
وبعضها يعود إلى اختلاف حول أصل من الأصول وهذا يعود إلى انحراف فكري وهذا مالا يثري بل يفرق و يشتت.
فالموضوع لايدخل في خلافات وإنما يضع أطرا عامة تصلح للمسلمين على اختلاف مذاهبهم .

د. ياسر نجم
04-Jan-2008, 02:12 AM
مشكلة المقال ده مثله مثل بعض المقالات الأخرى..أن عنوان المقال ظلم محتواه..
المقال ممتاز جدا مضمونا..لكن عنوانه فيه خطأ كبير...كان يصلحه أن يسميه كاتبه:
(كيف يجب أن يفكر الإسلاميون؟) بإضافة كلمتى (يجب أن)....

المقال يطرح نموذجا مثاليا لما يجب أن يكون عليه تفكير الإسلاميين...
وطبعا واقع الحال أقل وأضعف كثيرا مما طرحه المقال...
والعنوان يعطى ايحاءا بأن ما طرح هو واقع حال الفكر الإسلامى المعاصر..
عذرا يا باحثة..القواعد التى طرحها المقال مختلف عليها اختلافا كبيرا ولو كان متفق عليها لاختلف حال المسلمين 180 درجة..
واعتقد أن الخلاف فى الرأى بين الباحثة والاستاذ أحمد حول المقال يدور حول هذه النقطة..

أحمد حسن المحامي
04-Jan-2008, 05:13 PM
رغم أنني لست من دعاة الخلاف من أجل الخلاف ، إلا انني أشكر الأخت الباحثة على أنها تحملت إصراري على رأي هو نتيجة قراءات فيما أسميه التناحر بين المذاهب أو ما يسمى بفقه الخلاف ، وأرى ان الدكتور ياسر أصاب في رأيه

الباحثة
04-Jan-2008, 10:42 PM
نعم د/ ياسر كان ينبغي أن يكون عنوان المقال (كيف يجب أن يفكر الإسلا ميون )
أشكرك أ / أحمد على التفاعل مع هذا الموضوع وربما هناك ما يخفى عني ،ولكني معجبة جدا بهذه المنهجية الرائعة.

العبد
08-Feb-2008, 02:18 AM
:015::015::015: