حسام الدين خلف
31-Dec-2007, 01:46 PM
الدكتور محمد سليم العوا: تحركات الشارع المصري «كارثية» وقضية الوطن تحتاج إلي زعامة
http://www.almasry-alyoum.com/article.aspx?ArticleID=88332
حوار ماهر حسن ٣١/١٢/٢٠٠٧
http://www.almasry-alyoum.com/photo.aspx?ID=22435&ImageWidth=300</IMG> (http://www.almasry-alyoum.com/popimage.aspx?ImageID=22435)تصوير: محمد عبد السلام
الدكتور محمد سليم العوا
يري الدكتور محمد سليم العوا أن الصلة قد انعدمت تقريباً بين القوي السياسية التقليدية والشارع، بل إنه حتي القوة الوحيدة التي تواصلت بشكل كبير مع الشارع لم تقدم له أي خدمات حقيقية أو مشروعات للنهضة وكان هدفها الوحيد حشد الجماهير ليوم الانتخابات.
الدكتور العوا في حواره الشامل وقراءته المستفيضة للواقع الحالي قدم رؤية نقدية لأداء القوي السياسية واتهمها بانقطاع التواصل مع هموم الشارع الحقيقية، وأكد أن الشارع في انتظار قائد كاريزمي مخلص يقود الناس للخلاص، غير أن هذا لن يكون بلا ثمن.
من حق الشعب أن يلوي ذراع الحكومة ويسقطها في الانتخابات.. إذا كانت هناك انتخابات حرة
* يعكس الشارع المصري تاريخاً من التحولات القيمية والسياسية والتاريخية حتي بدا الشارع مؤخراً محور تنازع بين قوي سياسية عدة كالحزب الحاكم وكأحزاب المعارضة والنخبة والتيار الديني ممثلاً في جماعة «الإخوان المسلمين»، النظام فشل والنخبة والأحزاب أيضاً فيما نجحت جماعة الإخوان، كيف نقرأ هذه الخلفية التي انتهت بأن تولي الشارع الحديث عن نفسه؟
- أول ما يشغلني في مسألة الشارع المصري عام ٢٠٠٧ هو الإخفاق الشنيع للحكومة والحزب الوطني والمؤسسات التابعة لهما في التواصل مع الشارع، ولا أقصد بالإخفاق من ينجح ومن يخفق في البرلمان، وإنما أقصد الثقة التي تجدها أو لا تجدها في نفوس الناس عندما تكلمها عن قانون تريد الحكومة أن تشرعه أو إجراء إصلاحي، أو شأن متعلق بالتعليم أو الاقتصاد، أو عن الحريات أو الطرق، أو البطالة، وأي من هذه الشؤون أو غيرها حينما تكلم أي مواطن مصري فيها تجده غير راض عما تفعله الحكومة، مما يعني أن هناك إخفاقاً حكومياً بالجملة، وأضرب لك مثلاً،
فهناك مشكلة رئيسية تواجهها الحكومة إلي الآن، ولدي الحكومة خطة تريد تنفيذها وهي البيع والخصخصة والتخلص من الأصول التي يصفونها بأنها أعباء علي الاقتصاد القومي مثل القطاع العام، وأنا لا أعتبرها أعباء بقدر ما أعتبرها كنوزاً كان يتعين الإبقاء عليها وتطويرها وحل مشاكلها، فيما تري الحكومة أن هذه الأصول أعباء، ومن لديه فكرة كهذه يتعين عليه تسويقها، يعني ينبغي أن يقدمها إلي الأمة ويشرح أسبابها ويبين لماذا هي عبء،
فربما يبادر الشعب بالمشاركة في حمل هذا العبء مع الحكومة، مثلما حدث في بنك القاهرة، إذ تقدم مئات الآلاف ووقعوا الاستثمارات التي تنشرها بعض الصحف، ولكن أحداً لم يعرهم اهتماماً، فالحكومة يقاس نجاحها بمدي اقتناع الشعب بسياستها وقراراتها وإجراءاتها، وسأعطيك مثالاً حياً وهو متعلق بالعمارة التي انهارت مؤخراً في الإسكندرية، وعليك أن تتأمل تصريحات الحكومة إذ قالت إن الخطأ هو خطأ المحافظ الأسبق «المحجوب»
لأنه كان يوقع علي كل شيء، فيما يري أهالي الإسكندرية، وأنا منهم، إن المحجوب لم يكن مخطئاً والدليل علي ذلك أن رجل الشارع في الإسكندرية كان يصدقه ويثق فيه علي أساس مادي، فلقد نظف المدينة ووسع الكورنيش وأعاد طلاء المساكن التي لم يتم طلاؤها منذ عام ١٩٥٠، ووفر فرصاً للعمل من خلال رجال الأعمال في الإسكندرية، وأصلح الأوضاع الأساسية للسكان بدءاً من المرافق، والآن يفسدون كل ما حققه، وهذا في نهاية الأمر يدل علي إخفاق الحكومة في إدارة الأزمات.
* هل يمكن اعتبار ثورة العطش في أرض النيل دلالة أخري علي إخفاق هذه الحكومة؟
- نعم بالطبع، وأنا أسأل مندهشاً.. لماذا تنقص المياه في بلاد نهر النيل؟ تنقص لأن محطات تحلية المياه وتكريرها غير كافية، وإذا بالوزير المسؤول يقول عبارة سيئة جداً، إذ قال: «أنا لست مسؤولاً عن توفير جركن مياه لكل مواطن» إذ الأمر لا يقتصر علي المياه فقط، ولكن تأمل طريقة الحكومة في الرد علي مطالب الشارع فتجد في أزمة موظفي الضرائب العقارية الوزير المسؤول بطرس غالي يخرج
ويقول: «ماحدش يلوي ذراعي» لماذا وأنا أرد وأقول بل يمكن تُلوي ذراع الحكومة بل تسقط بكاملها في انتخابات حرة إذا كانت هناك انتخابات حرة، والحكومة عرضة لسحب الثقة منها في البرلمان، وأنا أقول أيضاً يمكن أن تلوي ذراع الوزير وذراع أي أحد في البلد، وهذا ليس مستحيلاً إذا كان ما يطالب به الناس هو الحق.
لكن للأسف هذه الحكومة مصابة بالكبْر وهذا يحول بينها وبين التواصل مع الناس، وعليك أن تتأمل مظاهر هذا الكبر في نظرة رؤساء الوزارات المتعاقبين، ونظرة الوزراء أنفسهم أثناء وجودهم في المنصب الوزاري، وعلاقتهم بزملائهم السابقين في الجامعة أو العمل أو التجارة، فهؤلاء الناس يتغيرون بدرجة كبيرة فور جلوسهم علي مقعد الوزارة ويشعرون وكأنهم ليسوا من هذه الطينة أو عُملوا من هذه العجينة وكأنهم أناس آخرون.. هناك حالة إخفاق عام.
* وهل يستثني الحزب الحاكم من هذه المعادلة؟
- أولاً، هل يليق بهذا الحزب حينما يعقد مؤتمره الأخير أن يجعل شعار المؤتمر «باللغة العامية» وكأنه يريد التقاط ذبذبة لغة الشارع، فإذا به يهين اللغة العربية، وكل مهتم باللغة العربية، وكل مؤمن بعروبة هذا الوطن، وكل مثقف حينما يستخدم اللغة العامية في شعار مؤتمره السنوي «بلدنا بتتقدم بينا»، ما معني هذه «الباء»؟ وما معني «بينا»؟
وما هذه التعبيرات الساقطة التي لا يليق بأي حزب يحترم نفسه أن يستخدمها، هذا فضلاً عن أن الشعار ذاته كاذب.. وصاحب هذا الشعار إنما أراد أن يجاري السوقة والرعاع والطبقات التي لم تتلق أي قدر من التعليم وأن يجاري قاموس الإعلام الهابط الذي يروج لهذه اللغة، في الوقت الذي يريد أي حاكم صالح «ربع صلاح» أن يرتقي بشعبه ويريد أن يتقدم بمستوي هذه الفئات ويرتقي بثقافتها.
* ألم ينجح في أي شيء؟
- نعم، نجح في التليفونات والطرق التي تنهار، لكن لم يقدم إنجازاً معنوياً والذي أراه أهم بكثير من الإنجاز المادي لابد من إرساء الثقة بالفعل لا بالقول ولا بالشعارات المبتذلة.
* وماذا عن الطوائف الأخري التي خسرت الرهان علي الشارع ولنبدأ بالنخبة التي فقدت التواصل مع الشارع وعجزت عن أن تمثل الضمير الجماعي للأمة؟
- النخبة اهتمت بمشكلاتها وصحيح أن بعض أفراد النخبة وجماعات صغيرة منها اهتمت بمشاكل الوطن لفترة ما وفي زمن ما إلي أن أصابهم اليأس فعادوا إلي الغرف المغلقة والمكتبات ليستمتعوا بالقراءة والكتابة ليقدموا للناس بعض الأفكار التي قد تناسب أو لا تناسب، وقد تكون صحيحة أو خاطئة، أو يكتفون بالظهور في القنوات التليفزيونية لمن يرغب منهم في ذلك،
ثم لا يتصلون بالشباب، أما أساتذة الجامعة منهم فلا يلقون طلابهم ولو بمعدل عشرة طلاب أسبوعياً، ومن يعمل منهم في الصحافة يكتب مقالته من بيته ويرسلها بالبريد الإلكتروني أو بالفاكس ولا يذهب لمكتبه في الصحيفة، وربما يراجع مقاله بالهاتف. لقد انفصلت النخب عن قواعدها أساساً، فأنا كمحام قاعدتي هي شباب المحامين، وكمثقف قاعدتي هي شباب المثقفين،
ومن يذهبو لقصور الثقافة لا يجدوا أحداً يستقبلهم، في حين نهرول جميعاً لاستقبال ساركوزي وعشيقته، لكن لا نستقبل من لديهم رغبة في التثقيف والتعلم، حتي إن مقاهي المثقفين اختفت أو تحولت لأشياء أخري، وهي التي كان يؤمها رموز الفكر في مصر وتتحلق حولهم أجيال الشباب، حتي مقهي «الفيشاوي» لم يعد يؤمه سوي السياح،
إذن فالنخبة انقطعت عن قواعدها ولذلك فإننا في انتظار مأزق أن من يمت من هذه النخب فلن يكون له خلف، في حين مثلاً تجد أن نجيب محفوظ ترك وراءه أجيالاً لا جيلاً واحداً، وتوفيق الحكيم والشيخ أمين الخولي وغيرهم، لكن من يخلف نخبة اليوم بعد الرحيل، لا أحد، حتي كتاب الصحافة الكبار من نخبة اليوم، الكثير منهم قلدوا الحكومة في كبرها أو تخلوا أو يئسوا وترف اليأس لا تملكه الأمم النامية، وإنما الشعوب ذات الترف، وهناك الكثير من الشباب الواحد القادم في الطريق ولكن لا أحد يسمعهم أو يتواصل معهم.
* لكن هناك إرهاصات نحو تغيير كبير، ونحن نري حالات متفرقة للاحتجاج في الشارع المصري، لكن التحرك الجماعي للشارع غائب ومطالب المحتجين كلها فئوية متعلقة بلقمة العيش لا بالسياسة؟
- الصورة التي تصفها أنت صورة كارثية تدل علي تضاؤل المطالب الشعبية الكبيرة إلي المستوي الأدني والأقل، وهي «فئوية» كما ذكرت، أما التجمع الشعبي الذي يتطلع لتغيير سياسي حقيقي يحتاج إلي قضايا ذات شأن عام وذات صلة بالحياة العامة والرأي العام ويحتاج إلي زعامة ولولا سعد زغلول بقدرته علي مواجهة خصومه ما نجحت ثورة ١٩ ولولا وجود النحاس علي رأس الوفد ما ألغيت معاهدة ١٩٣٦، إذن فالقضية الوطنية تحتاج إلي موضوع يهم الرأي العام ولدينا الآلاف من هذه الموضوعات ولكنها تحتاج إلي زعامة قادرة علي قيادة أو تحريك الرأي العام.
* يعني هذا الشعب يحتاج لمخلص وقائد للجماعة؟
- ليس هذا الشعب فقط وإنما كل شعوب العالم قادتها شخصية «تدغدغ» الحس الوطني والثوري لدي الناس، حتي يحث الناس علي الخروج، وإلا فلماذا يخرج المواطن مادام «مستورًا» وأولاده يحصلون علي دروس خصوصية ويستدين في آخر الشهر.. يعني خرج من العام إلي الخاص وهذا نجحت فيه الحكومات المتعاقبة علي مصر.
* هذا هو النظام والحزب الحاكم وهذه هي النخبة وجميعهم فشل في كسب الشارع علي حد رصدك، فماذا عن الطائفة الرابعة والباقية وهي «الإخوان المسلمين» هل نجحت فيما فشل فيه الآخرون؟
- أولاً قبل الحديث عن الإخوان يتعين علينا التفريق بين نوعين من الجماعات الإسلامية، فهناك جماعات اعتمدت العنف سبيلاً للتغيير، وقد اخفقت في مصر وغير مصر، والمراجعات الفكرية التي قدمتها الجماعات الإسلامية والتي قدمها الجهاد، تدل علي أن المنهج الفكري الذي بدأوا به تبين خطؤه بعد سنين طويلة، أما الجماعات التي لا تعتمد العنف سبيلاً للتغيير فإن أشهرها جماعة الإخوان المسلمين، وجماعة «حزب التحرير» وهو ليس له وجود حقيقي في مصر والوحيدون الذين لديهم فكرة سياسية قابلة للتطبيق ويستجيب لها الشارع وبخاصة حينما يخوضون الانتخابات فهم «الإخوان المسلمين».
والمعاملة التي يلقاها «الإخوان المسلمين» في مصر وغير مصر يكسبون بسببها ولا يخسرون، يكسبون علي الرغم من أن فكرهم لو قدموه للناس فإنه يحتمل المناقشة وحينما قدموا برنامجهم صارت مناقشات بين جميع الأطراف.
* وهل تراه برنامجًا سياسيا؟ هل هو برنامج حزبي؟
- هو ليس برنامجًا حزبيا بدليل أنهم قالوا إنهم لن يتقدموا للجنة الأحزاب، وإنما هو برنامج تطوير سياسي، مما يعني أنه ليس برنامجًا لعمل الحكومة وإنما لتنشيط الرأي العام والقوي الشعبية وتنشيط الأمة مثل برنامج مصطفي كامل حينما كان يؤسس للحزب الوطني وبرنامج سعد زغلول في ثورة ١٩ وبرنامج أحمد عرابي حينما قام بثورة عسكرية - وأنا بالمناسبة لا أقبل بأي ثورة عسكرية في العالم كله ولا أقرها.
* إذن ما طبيعة البرنامج الذي يصلح لإصلاح الأمة؟
- الدين عامل أساسي في إصلاح الأمة، لكنه ليس العامل الوحيد إذ يبدأ من الإصلاح الفكري والذهني والعقلي وقدرة الشباب حاليا علي مناقشتك في قضية تكاد تكون معدومة. أحد المتخرجين المتفوقين ومن أسرة طيبة قابلته قبل أيام فوجئت أنه لا علم له بالقانون وهذه ظاهرة موجودة في كل التخصصات، نحن نواجه محنة تربوية وأخلاقية واقتصادية، وتعجز أن تجد إنسانًا يتقن عمله الآن.
* إذا كنت أنت في موقع الإخوان مثلاً ماذا ستفعل إزاء هذه الكارثة المجتمعية؟
ـ لو كنت مكانهم لدعوت الإخوان للتخلي عن العمل السياسي ليتفرغوا لإحداث نهضة شعبية، ولتفرغت لإعادة البناء الفكري والثقافي وتعليم الناس مهنهم، التي ينبغي أن يتقنوها، ثم تدريب الناس علي ملء الفراغات، التي يمتلئ بها البلد، لكن مادمت مكتفياً بتوجيه الناس لليوم الذي يصوتون فيه في الانتخابات فأنا لن أقدم لهم جديداً ولا مفيداً،
أنا أريد أن أقدم إلي أبنائي وبناتي ما يستطيعون أن يعملوه وهم في غيبة من الدولة ومحاربة من في السلطة وفي غير مشاركة في العمل السياسي نحن نقول لأولادنا تعلموا أي تعليم يعجبكم، لكن ينبغي أن يكون تعليماً يؤهلكم لممارسة عملكم من بيوتكم حتي لو صدرت أحكام ضد أحدهم فإنه يمتهن مهنة يمكنه ممارستها وهو في بيته كمحام أو طبيب أو مدرس وينبغي أن نعلم أولادنا أن المشروعات الصغيرة مهمة،
وأن المشروع المستقل هو أساس النهضة وهذا هو الحادث في الصين الآن، وإلا سيزداد مستوي الفقر وانخفاض الدخل وسنفقد القدرة علي تعليم الناس فنحن نعلم أبناءنا بنفس الطريقة التي كنا نعلمهم بها منذ كان تعدادنا عشرة ملايين، ماهي البدائل؟ في حين أن الحل الذي قدمه الحزب الوطني والحكومة كان ينبغي أن يقابل بحل يقدمه الإخوان المسلمون والجماعات القادرة علي التواصل مع الشعب.
* تقصد أن يبني الإخوان المدارس؟
ـ ولم لا لأن لدينا في الوطن شيئاً خطيراً جداً، ولا يوجد ما يوازيه عند المجموع الغالب من الناس وهو جزء متعلق بالكنيسة فهي تمارس تعليم أبنائها في جميع الكنائس وتدربهم علي الرياضة البدنية وتقدم لهم الدرس الخاص والكتب المساعدة من أموال الصدقات المسيحية وهذا شيء عظيم أهنئهم عليه كل التهنئة، لكن أين ما يفعله المسلمون في هذا البلد وحين تقول المسلمين يعني الجماعة القائدة، التي تقود الحركة الإسلامية في مصر، أين ما تفعله؟
لم تفعل شيئاً أين إحساس المؤسسة الدينية لما يجري في الجماعة الإسلامية، التي تقود الشارع، لقد نشرتم في «المصري اليوم» أن شيخ الأزهر يقول لا علم لي بالمراجعات الإسلامية، وفي فتوي إجهاض المغتصبة نجد اثنين من أعضاء مجمع البحوث أحدهما يقول «مش حاكلم في الموضوع ولا نص كلمه» والثاني يقول ما سيتفقون عليه سأوافق عليه أين دور العالم هذه الشمعة التي تضيء للأمة، بماذا أفادوا الأمة.
* ما رأيك في ظاهرة الدعاة الجدد علي القنوات الفضائية؟
ـ وهي قنوات لا تقدم خيراً أنا نفسي امتنعت عن الفتوي علي الهواء وقد انتشر المفتون الجهلة وانتشر الأساتذة الذين يقدمون فكراً مخلوطاً ينسبونه بالباطل إلي الفكر السلفي وهو ليس منه في شيء وانتشر مضللو الأمة أحياناً ومكفروها أحياناً أخري بل انتشر مفسرو الأحلام وأنا أدعو الإخوان المسلمين، لأن ينشغلوا بالهم الوطني الحقيقي وهو هم التخلف، وليس بالهم السياسي، الذي لن يقدم ولن يؤخر والأوضاع السياسية التي نمر بها لن تستمر إلي الأبد،
وإذا كنا قلقين وغاضبين من الصلح مع إسرائيل وأنا من أكثر الغاضبين فأنا موقن من أن هذا الصلح مصيره هو مصير كل معاهدة في العالم وهو التمزيق والانتهاء، بل موقن أن إسرائيل مصيرها إلي زوال قطعاً وإن لم نشهد ذلك فسيشهده أولادنا وأحفادنا وعلينا فقط أن نعدهم لذلك، لكن إعدادهم لن يكون بالسياسة أو العسكرة وإنما بالتدريب والتنمية، وإذا لم نقدمهما ونؤخر السياسة والعسكرة مائة سنة فليس هناك أمل، ولذلك فإنني أدعو كل الذين يحاولون إنهاض الأمة أن يسلكوا هذا المسلك.
العوا: الأحزاب المصرية المقتولة.. شريكة مع قاتلها وراضية بالموت
يعتبر الدكتور سليم العوا أحزاب المعارضة المصرية مسؤولة عما جري لها أكثر مما يتحمل النظام من مسؤولية، قائلاً: إن تلك الأحزاب لا تعرف مهمتها ولا تدري متي تنزل إلي الشارع وكيف تتفاعل مع الشعب، ويشير إلي أن الشارع المصري لا يأمل كثيراً في الأحزاب، وضرب مثلاً بتصريح أطلقه الدكتور أسامة الغزالي حرب بعد واقعة «انتخابات المنيل» إذ قال إنه يفكر في الانسحاب من العملية السياسية بأسرها.. لذلك أفردنا للدكتور العوا هذه المساحة ليتحدث عن قضية الأحزاب.
* إلي أي حد يتشابه مأزق الأحزاب مع مأزق النخبة والنظام؟ هل خسروا الرهان علي الشارع أيضاً؟
- الأحزاب لم تعرف مهمتها، فليست مهمة الأحزاب الوصول إلي الحكم عبر الانتخابات والمنافسة السياسية، فهذا جزء قليل جداً مما تستطيع أن تقدمه، لكن مهمة الأحزاب مزدوجة، وهي أن يكون كل حزب مدرسة سياسية لكل من يستطيع أن ينجذب لأفكاره وبرنامجه وإلي كاريزما زعمائه وتأثيرهم علي الناس، أما المهمة الثانية أن يكون الحزب تياراً للنضال السياسي،
والنضال السياسي يعني أن تنزل إلي الشارع وأن تتظاهر وأن تكتب بقوة وأن تتحدث إلي التجمعات وأن تقف مع الشعب، يعني حينما تجد شركة تصدر سبعة مليارات متر مكعب من الغاز تقوم بثورة، يعني حينما تجد باراك يقابل رئيس الجمهورية وتجد مصر تتوعد الذين يهرّبون السلاح إلي الفلسطينيين الذين يدافعون عن وطنهم تقوم بثورة،
وحين تجد رئيس الجمهورية يقول إن إسرائيل مهمة جداً لنا وعلاقتي بها مهمة جداً، وحين تريد شيئاً عليها أن تحدثني علي الهاتف بدلاً من أن تشكونا للعالم، كان علي هذه الأحزاب أن تقول لا يا سيادة الرئيس إن إسرائيل ليست مهمة بالنسبة لك والأهم لك هو شعبك بل إن إسرائيل ليست مهمة أصلاً فهي عدو وليست صديقاً وأهمية العدو أن أتغلب عليه وليس في أن أصادقه وحين أصبح صديقاً لعدوي فإنني أفقد نفسي، وهذا دور الأحزاب وهي لم تفعل شيئاً في هذا الاتجاه.
* هذا لا يؤكد إخفاق الأحزاب فقط وإنما يقطع بإخفاق الحكومة أيضاً؟
- نعم.. وخذ مثالاً علي ذلك بمجموعة من أبناء الأمة كانوا خارجين علي السلوك المستقيم وراحوا ضحية مفاهيم مغلوطة وممارسات خاطئة واستحلوا الدماء والأموال لكنهم عادوا بعد الاعتقال القهري وبعد عزلة طالت عن الحياة، والمجتمع يجب أن يفتح له النظام الأبواب ويرحب به ويناقشه ويقف علي جدية مراجعة الأفكار،
لقد أفرج عن ٢٢ ألفاً من الجماعة الإسلامية ومن الجهاد نحو أربعة آلاف، كيف سيستعيد هؤلاء التواصل مع الحياة، كيف سيجدون فرص عمل، ومعظمهم متزوج ولديهم أسر وأغلبهم من الصعيد حيث فرص العمل منعدمة، ماذا فعلت لهم الدولة وماذا فعلت لهم الأحزاب ورجال الأعمال الذين ينتمون لهذه الأحزاب ماذا قدموا لأولئك الشباب والرجال؟ لم يقدموا شيئاً وهذا خطر جداً سيواجه هذا الشعب المصري.
* تعني أن مراجعات الجهاد والجماعة الإسلامية لم تحظ بالاستقبال الفكري المناسب؟
- ليس هذا فحسب بل الاستقبال السياسي والاقتصادي فقد كان هذا منعدماً، وهذا متروك لاثنين أو ثلاثة ممن يكتبون للصحافة، فقط كأن الأمر برمته لا يهم الحكومة ولا النظام ولا الأحزاب ولا الشعب ألم يكن هؤلاء مصدر خطر للوطن بقتل الأبرياء وتهديد السياحة والاقتصاد، فلماذا استقبلت عودتهم إلي الصواب بهذا الفتور، لماذا يتم استيعابهم كمصدر قوة..
ولذلك فإن الشاع لا يري في الأحزاب أي أمل، وها أنت تري الدكتور أسامة الغزالي حرب يصرح تقريباً في يوم ٢٧ ديسمبر بأنه يعيد النظر في العملية السياسية كلها بل في بقاء الحزب كله بعدما حدث لمرشحه في دائرة المنيل،
وأسامة الغزالي لا هو إخوان مسلمين ولا جماعات إسلامية ولا هو إبراهيم شكري ولا هو من خلفاء عادل ومجدي حسين إنما هو مرشح من حزب الجبهة الوطنية الديمقراطية الذي هو حزب ليس بينه وبين الحكومة خلاف، خصوصاً في الأصول العامة وحاصل علي موافقة نادرة من لجنة الأحزاب ورغم ذلك فإنه يفكر في الانسحاب من العملية السياسية ككل، لأن بقية الأحزاب لم تدعمه ولم تقف معه حين حاربته الدولة.
* الأحزاب مجهضة بفعل فاعل حتي وإن كانت منشغلة بهموم داخلية فالنظام هو الذي حدد إقامتها.
- زعماء الحزب في أي لقاء جماهيري أو مؤتمر داخل مقر الحزب يخطبون في الناس وتسجل كل محطات التليفزيون هذه المؤتمرات ولو قال رئيس أي حزب في أول كلامه أنه أضطر لإقامة المؤتمر داخل الحزب لأن النظام أو الأمن ضيق عليه ومنعه من إقامة المؤتمر في الشارع وأنه يعتذر للأمة، لن يستطيع أحد منعه في المرة الثانية لكنهم جبنوا في مواجهة التضييق المفروض عليهم.
هل سمعت رئيس حزب قال هذا الكلام؟ لم يحدث، هم قنعوا بهذا، في تصوري أن المقتول شريك في المسؤولية مع القاتل فهو لم يقاوم القاتل.
http://www.almasry-alyoum.com/article.aspx?ArticleID=88332
حوار ماهر حسن ٣١/١٢/٢٠٠٧
http://www.almasry-alyoum.com/photo.aspx?ID=22435&ImageWidth=300</IMG> (http://www.almasry-alyoum.com/popimage.aspx?ImageID=22435)تصوير: محمد عبد السلام
الدكتور محمد سليم العوا
يري الدكتور محمد سليم العوا أن الصلة قد انعدمت تقريباً بين القوي السياسية التقليدية والشارع، بل إنه حتي القوة الوحيدة التي تواصلت بشكل كبير مع الشارع لم تقدم له أي خدمات حقيقية أو مشروعات للنهضة وكان هدفها الوحيد حشد الجماهير ليوم الانتخابات.
الدكتور العوا في حواره الشامل وقراءته المستفيضة للواقع الحالي قدم رؤية نقدية لأداء القوي السياسية واتهمها بانقطاع التواصل مع هموم الشارع الحقيقية، وأكد أن الشارع في انتظار قائد كاريزمي مخلص يقود الناس للخلاص، غير أن هذا لن يكون بلا ثمن.
من حق الشعب أن يلوي ذراع الحكومة ويسقطها في الانتخابات.. إذا كانت هناك انتخابات حرة
* يعكس الشارع المصري تاريخاً من التحولات القيمية والسياسية والتاريخية حتي بدا الشارع مؤخراً محور تنازع بين قوي سياسية عدة كالحزب الحاكم وكأحزاب المعارضة والنخبة والتيار الديني ممثلاً في جماعة «الإخوان المسلمين»، النظام فشل والنخبة والأحزاب أيضاً فيما نجحت جماعة الإخوان، كيف نقرأ هذه الخلفية التي انتهت بأن تولي الشارع الحديث عن نفسه؟
- أول ما يشغلني في مسألة الشارع المصري عام ٢٠٠٧ هو الإخفاق الشنيع للحكومة والحزب الوطني والمؤسسات التابعة لهما في التواصل مع الشارع، ولا أقصد بالإخفاق من ينجح ومن يخفق في البرلمان، وإنما أقصد الثقة التي تجدها أو لا تجدها في نفوس الناس عندما تكلمها عن قانون تريد الحكومة أن تشرعه أو إجراء إصلاحي، أو شأن متعلق بالتعليم أو الاقتصاد، أو عن الحريات أو الطرق، أو البطالة، وأي من هذه الشؤون أو غيرها حينما تكلم أي مواطن مصري فيها تجده غير راض عما تفعله الحكومة، مما يعني أن هناك إخفاقاً حكومياً بالجملة، وأضرب لك مثلاً،
فهناك مشكلة رئيسية تواجهها الحكومة إلي الآن، ولدي الحكومة خطة تريد تنفيذها وهي البيع والخصخصة والتخلص من الأصول التي يصفونها بأنها أعباء علي الاقتصاد القومي مثل القطاع العام، وأنا لا أعتبرها أعباء بقدر ما أعتبرها كنوزاً كان يتعين الإبقاء عليها وتطويرها وحل مشاكلها، فيما تري الحكومة أن هذه الأصول أعباء، ومن لديه فكرة كهذه يتعين عليه تسويقها، يعني ينبغي أن يقدمها إلي الأمة ويشرح أسبابها ويبين لماذا هي عبء،
فربما يبادر الشعب بالمشاركة في حمل هذا العبء مع الحكومة، مثلما حدث في بنك القاهرة، إذ تقدم مئات الآلاف ووقعوا الاستثمارات التي تنشرها بعض الصحف، ولكن أحداً لم يعرهم اهتماماً، فالحكومة يقاس نجاحها بمدي اقتناع الشعب بسياستها وقراراتها وإجراءاتها، وسأعطيك مثالاً حياً وهو متعلق بالعمارة التي انهارت مؤخراً في الإسكندرية، وعليك أن تتأمل تصريحات الحكومة إذ قالت إن الخطأ هو خطأ المحافظ الأسبق «المحجوب»
لأنه كان يوقع علي كل شيء، فيما يري أهالي الإسكندرية، وأنا منهم، إن المحجوب لم يكن مخطئاً والدليل علي ذلك أن رجل الشارع في الإسكندرية كان يصدقه ويثق فيه علي أساس مادي، فلقد نظف المدينة ووسع الكورنيش وأعاد طلاء المساكن التي لم يتم طلاؤها منذ عام ١٩٥٠، ووفر فرصاً للعمل من خلال رجال الأعمال في الإسكندرية، وأصلح الأوضاع الأساسية للسكان بدءاً من المرافق، والآن يفسدون كل ما حققه، وهذا في نهاية الأمر يدل علي إخفاق الحكومة في إدارة الأزمات.
* هل يمكن اعتبار ثورة العطش في أرض النيل دلالة أخري علي إخفاق هذه الحكومة؟
- نعم بالطبع، وأنا أسأل مندهشاً.. لماذا تنقص المياه في بلاد نهر النيل؟ تنقص لأن محطات تحلية المياه وتكريرها غير كافية، وإذا بالوزير المسؤول يقول عبارة سيئة جداً، إذ قال: «أنا لست مسؤولاً عن توفير جركن مياه لكل مواطن» إذ الأمر لا يقتصر علي المياه فقط، ولكن تأمل طريقة الحكومة في الرد علي مطالب الشارع فتجد في أزمة موظفي الضرائب العقارية الوزير المسؤول بطرس غالي يخرج
ويقول: «ماحدش يلوي ذراعي» لماذا وأنا أرد وأقول بل يمكن تُلوي ذراع الحكومة بل تسقط بكاملها في انتخابات حرة إذا كانت هناك انتخابات حرة، والحكومة عرضة لسحب الثقة منها في البرلمان، وأنا أقول أيضاً يمكن أن تلوي ذراع الوزير وذراع أي أحد في البلد، وهذا ليس مستحيلاً إذا كان ما يطالب به الناس هو الحق.
لكن للأسف هذه الحكومة مصابة بالكبْر وهذا يحول بينها وبين التواصل مع الناس، وعليك أن تتأمل مظاهر هذا الكبر في نظرة رؤساء الوزارات المتعاقبين، ونظرة الوزراء أنفسهم أثناء وجودهم في المنصب الوزاري، وعلاقتهم بزملائهم السابقين في الجامعة أو العمل أو التجارة، فهؤلاء الناس يتغيرون بدرجة كبيرة فور جلوسهم علي مقعد الوزارة ويشعرون وكأنهم ليسوا من هذه الطينة أو عُملوا من هذه العجينة وكأنهم أناس آخرون.. هناك حالة إخفاق عام.
* وهل يستثني الحزب الحاكم من هذه المعادلة؟
- أولاً، هل يليق بهذا الحزب حينما يعقد مؤتمره الأخير أن يجعل شعار المؤتمر «باللغة العامية» وكأنه يريد التقاط ذبذبة لغة الشارع، فإذا به يهين اللغة العربية، وكل مهتم باللغة العربية، وكل مؤمن بعروبة هذا الوطن، وكل مثقف حينما يستخدم اللغة العامية في شعار مؤتمره السنوي «بلدنا بتتقدم بينا»، ما معني هذه «الباء»؟ وما معني «بينا»؟
وما هذه التعبيرات الساقطة التي لا يليق بأي حزب يحترم نفسه أن يستخدمها، هذا فضلاً عن أن الشعار ذاته كاذب.. وصاحب هذا الشعار إنما أراد أن يجاري السوقة والرعاع والطبقات التي لم تتلق أي قدر من التعليم وأن يجاري قاموس الإعلام الهابط الذي يروج لهذه اللغة، في الوقت الذي يريد أي حاكم صالح «ربع صلاح» أن يرتقي بشعبه ويريد أن يتقدم بمستوي هذه الفئات ويرتقي بثقافتها.
* ألم ينجح في أي شيء؟
- نعم، نجح في التليفونات والطرق التي تنهار، لكن لم يقدم إنجازاً معنوياً والذي أراه أهم بكثير من الإنجاز المادي لابد من إرساء الثقة بالفعل لا بالقول ولا بالشعارات المبتذلة.
* وماذا عن الطوائف الأخري التي خسرت الرهان علي الشارع ولنبدأ بالنخبة التي فقدت التواصل مع الشارع وعجزت عن أن تمثل الضمير الجماعي للأمة؟
- النخبة اهتمت بمشكلاتها وصحيح أن بعض أفراد النخبة وجماعات صغيرة منها اهتمت بمشاكل الوطن لفترة ما وفي زمن ما إلي أن أصابهم اليأس فعادوا إلي الغرف المغلقة والمكتبات ليستمتعوا بالقراءة والكتابة ليقدموا للناس بعض الأفكار التي قد تناسب أو لا تناسب، وقد تكون صحيحة أو خاطئة، أو يكتفون بالظهور في القنوات التليفزيونية لمن يرغب منهم في ذلك،
ثم لا يتصلون بالشباب، أما أساتذة الجامعة منهم فلا يلقون طلابهم ولو بمعدل عشرة طلاب أسبوعياً، ومن يعمل منهم في الصحافة يكتب مقالته من بيته ويرسلها بالبريد الإلكتروني أو بالفاكس ولا يذهب لمكتبه في الصحيفة، وربما يراجع مقاله بالهاتف. لقد انفصلت النخب عن قواعدها أساساً، فأنا كمحام قاعدتي هي شباب المحامين، وكمثقف قاعدتي هي شباب المثقفين،
ومن يذهبو لقصور الثقافة لا يجدوا أحداً يستقبلهم، في حين نهرول جميعاً لاستقبال ساركوزي وعشيقته، لكن لا نستقبل من لديهم رغبة في التثقيف والتعلم، حتي إن مقاهي المثقفين اختفت أو تحولت لأشياء أخري، وهي التي كان يؤمها رموز الفكر في مصر وتتحلق حولهم أجيال الشباب، حتي مقهي «الفيشاوي» لم يعد يؤمه سوي السياح،
إذن فالنخبة انقطعت عن قواعدها ولذلك فإننا في انتظار مأزق أن من يمت من هذه النخب فلن يكون له خلف، في حين مثلاً تجد أن نجيب محفوظ ترك وراءه أجيالاً لا جيلاً واحداً، وتوفيق الحكيم والشيخ أمين الخولي وغيرهم، لكن من يخلف نخبة اليوم بعد الرحيل، لا أحد، حتي كتاب الصحافة الكبار من نخبة اليوم، الكثير منهم قلدوا الحكومة في كبرها أو تخلوا أو يئسوا وترف اليأس لا تملكه الأمم النامية، وإنما الشعوب ذات الترف، وهناك الكثير من الشباب الواحد القادم في الطريق ولكن لا أحد يسمعهم أو يتواصل معهم.
* لكن هناك إرهاصات نحو تغيير كبير، ونحن نري حالات متفرقة للاحتجاج في الشارع المصري، لكن التحرك الجماعي للشارع غائب ومطالب المحتجين كلها فئوية متعلقة بلقمة العيش لا بالسياسة؟
- الصورة التي تصفها أنت صورة كارثية تدل علي تضاؤل المطالب الشعبية الكبيرة إلي المستوي الأدني والأقل، وهي «فئوية» كما ذكرت، أما التجمع الشعبي الذي يتطلع لتغيير سياسي حقيقي يحتاج إلي قضايا ذات شأن عام وذات صلة بالحياة العامة والرأي العام ويحتاج إلي زعامة ولولا سعد زغلول بقدرته علي مواجهة خصومه ما نجحت ثورة ١٩ ولولا وجود النحاس علي رأس الوفد ما ألغيت معاهدة ١٩٣٦، إذن فالقضية الوطنية تحتاج إلي موضوع يهم الرأي العام ولدينا الآلاف من هذه الموضوعات ولكنها تحتاج إلي زعامة قادرة علي قيادة أو تحريك الرأي العام.
* يعني هذا الشعب يحتاج لمخلص وقائد للجماعة؟
- ليس هذا الشعب فقط وإنما كل شعوب العالم قادتها شخصية «تدغدغ» الحس الوطني والثوري لدي الناس، حتي يحث الناس علي الخروج، وإلا فلماذا يخرج المواطن مادام «مستورًا» وأولاده يحصلون علي دروس خصوصية ويستدين في آخر الشهر.. يعني خرج من العام إلي الخاص وهذا نجحت فيه الحكومات المتعاقبة علي مصر.
* هذا هو النظام والحزب الحاكم وهذه هي النخبة وجميعهم فشل في كسب الشارع علي حد رصدك، فماذا عن الطائفة الرابعة والباقية وهي «الإخوان المسلمين» هل نجحت فيما فشل فيه الآخرون؟
- أولاً قبل الحديث عن الإخوان يتعين علينا التفريق بين نوعين من الجماعات الإسلامية، فهناك جماعات اعتمدت العنف سبيلاً للتغيير، وقد اخفقت في مصر وغير مصر، والمراجعات الفكرية التي قدمتها الجماعات الإسلامية والتي قدمها الجهاد، تدل علي أن المنهج الفكري الذي بدأوا به تبين خطؤه بعد سنين طويلة، أما الجماعات التي لا تعتمد العنف سبيلاً للتغيير فإن أشهرها جماعة الإخوان المسلمين، وجماعة «حزب التحرير» وهو ليس له وجود حقيقي في مصر والوحيدون الذين لديهم فكرة سياسية قابلة للتطبيق ويستجيب لها الشارع وبخاصة حينما يخوضون الانتخابات فهم «الإخوان المسلمين».
والمعاملة التي يلقاها «الإخوان المسلمين» في مصر وغير مصر يكسبون بسببها ولا يخسرون، يكسبون علي الرغم من أن فكرهم لو قدموه للناس فإنه يحتمل المناقشة وحينما قدموا برنامجهم صارت مناقشات بين جميع الأطراف.
* وهل تراه برنامجًا سياسيا؟ هل هو برنامج حزبي؟
- هو ليس برنامجًا حزبيا بدليل أنهم قالوا إنهم لن يتقدموا للجنة الأحزاب، وإنما هو برنامج تطوير سياسي، مما يعني أنه ليس برنامجًا لعمل الحكومة وإنما لتنشيط الرأي العام والقوي الشعبية وتنشيط الأمة مثل برنامج مصطفي كامل حينما كان يؤسس للحزب الوطني وبرنامج سعد زغلول في ثورة ١٩ وبرنامج أحمد عرابي حينما قام بثورة عسكرية - وأنا بالمناسبة لا أقبل بأي ثورة عسكرية في العالم كله ولا أقرها.
* إذن ما طبيعة البرنامج الذي يصلح لإصلاح الأمة؟
- الدين عامل أساسي في إصلاح الأمة، لكنه ليس العامل الوحيد إذ يبدأ من الإصلاح الفكري والذهني والعقلي وقدرة الشباب حاليا علي مناقشتك في قضية تكاد تكون معدومة. أحد المتخرجين المتفوقين ومن أسرة طيبة قابلته قبل أيام فوجئت أنه لا علم له بالقانون وهذه ظاهرة موجودة في كل التخصصات، نحن نواجه محنة تربوية وأخلاقية واقتصادية، وتعجز أن تجد إنسانًا يتقن عمله الآن.
* إذا كنت أنت في موقع الإخوان مثلاً ماذا ستفعل إزاء هذه الكارثة المجتمعية؟
ـ لو كنت مكانهم لدعوت الإخوان للتخلي عن العمل السياسي ليتفرغوا لإحداث نهضة شعبية، ولتفرغت لإعادة البناء الفكري والثقافي وتعليم الناس مهنهم، التي ينبغي أن يتقنوها، ثم تدريب الناس علي ملء الفراغات، التي يمتلئ بها البلد، لكن مادمت مكتفياً بتوجيه الناس لليوم الذي يصوتون فيه في الانتخابات فأنا لن أقدم لهم جديداً ولا مفيداً،
أنا أريد أن أقدم إلي أبنائي وبناتي ما يستطيعون أن يعملوه وهم في غيبة من الدولة ومحاربة من في السلطة وفي غير مشاركة في العمل السياسي نحن نقول لأولادنا تعلموا أي تعليم يعجبكم، لكن ينبغي أن يكون تعليماً يؤهلكم لممارسة عملكم من بيوتكم حتي لو صدرت أحكام ضد أحدهم فإنه يمتهن مهنة يمكنه ممارستها وهو في بيته كمحام أو طبيب أو مدرس وينبغي أن نعلم أولادنا أن المشروعات الصغيرة مهمة،
وأن المشروع المستقل هو أساس النهضة وهذا هو الحادث في الصين الآن، وإلا سيزداد مستوي الفقر وانخفاض الدخل وسنفقد القدرة علي تعليم الناس فنحن نعلم أبناءنا بنفس الطريقة التي كنا نعلمهم بها منذ كان تعدادنا عشرة ملايين، ماهي البدائل؟ في حين أن الحل الذي قدمه الحزب الوطني والحكومة كان ينبغي أن يقابل بحل يقدمه الإخوان المسلمون والجماعات القادرة علي التواصل مع الشعب.
* تقصد أن يبني الإخوان المدارس؟
ـ ولم لا لأن لدينا في الوطن شيئاً خطيراً جداً، ولا يوجد ما يوازيه عند المجموع الغالب من الناس وهو جزء متعلق بالكنيسة فهي تمارس تعليم أبنائها في جميع الكنائس وتدربهم علي الرياضة البدنية وتقدم لهم الدرس الخاص والكتب المساعدة من أموال الصدقات المسيحية وهذا شيء عظيم أهنئهم عليه كل التهنئة، لكن أين ما يفعله المسلمون في هذا البلد وحين تقول المسلمين يعني الجماعة القائدة، التي تقود الحركة الإسلامية في مصر، أين ما تفعله؟
لم تفعل شيئاً أين إحساس المؤسسة الدينية لما يجري في الجماعة الإسلامية، التي تقود الشارع، لقد نشرتم في «المصري اليوم» أن شيخ الأزهر يقول لا علم لي بالمراجعات الإسلامية، وفي فتوي إجهاض المغتصبة نجد اثنين من أعضاء مجمع البحوث أحدهما يقول «مش حاكلم في الموضوع ولا نص كلمه» والثاني يقول ما سيتفقون عليه سأوافق عليه أين دور العالم هذه الشمعة التي تضيء للأمة، بماذا أفادوا الأمة.
* ما رأيك في ظاهرة الدعاة الجدد علي القنوات الفضائية؟
ـ وهي قنوات لا تقدم خيراً أنا نفسي امتنعت عن الفتوي علي الهواء وقد انتشر المفتون الجهلة وانتشر الأساتذة الذين يقدمون فكراً مخلوطاً ينسبونه بالباطل إلي الفكر السلفي وهو ليس منه في شيء وانتشر مضللو الأمة أحياناً ومكفروها أحياناً أخري بل انتشر مفسرو الأحلام وأنا أدعو الإخوان المسلمين، لأن ينشغلوا بالهم الوطني الحقيقي وهو هم التخلف، وليس بالهم السياسي، الذي لن يقدم ولن يؤخر والأوضاع السياسية التي نمر بها لن تستمر إلي الأبد،
وإذا كنا قلقين وغاضبين من الصلح مع إسرائيل وأنا من أكثر الغاضبين فأنا موقن من أن هذا الصلح مصيره هو مصير كل معاهدة في العالم وهو التمزيق والانتهاء، بل موقن أن إسرائيل مصيرها إلي زوال قطعاً وإن لم نشهد ذلك فسيشهده أولادنا وأحفادنا وعلينا فقط أن نعدهم لذلك، لكن إعدادهم لن يكون بالسياسة أو العسكرة وإنما بالتدريب والتنمية، وإذا لم نقدمهما ونؤخر السياسة والعسكرة مائة سنة فليس هناك أمل، ولذلك فإنني أدعو كل الذين يحاولون إنهاض الأمة أن يسلكوا هذا المسلك.
العوا: الأحزاب المصرية المقتولة.. شريكة مع قاتلها وراضية بالموت
يعتبر الدكتور سليم العوا أحزاب المعارضة المصرية مسؤولة عما جري لها أكثر مما يتحمل النظام من مسؤولية، قائلاً: إن تلك الأحزاب لا تعرف مهمتها ولا تدري متي تنزل إلي الشارع وكيف تتفاعل مع الشعب، ويشير إلي أن الشارع المصري لا يأمل كثيراً في الأحزاب، وضرب مثلاً بتصريح أطلقه الدكتور أسامة الغزالي حرب بعد واقعة «انتخابات المنيل» إذ قال إنه يفكر في الانسحاب من العملية السياسية بأسرها.. لذلك أفردنا للدكتور العوا هذه المساحة ليتحدث عن قضية الأحزاب.
* إلي أي حد يتشابه مأزق الأحزاب مع مأزق النخبة والنظام؟ هل خسروا الرهان علي الشارع أيضاً؟
- الأحزاب لم تعرف مهمتها، فليست مهمة الأحزاب الوصول إلي الحكم عبر الانتخابات والمنافسة السياسية، فهذا جزء قليل جداً مما تستطيع أن تقدمه، لكن مهمة الأحزاب مزدوجة، وهي أن يكون كل حزب مدرسة سياسية لكل من يستطيع أن ينجذب لأفكاره وبرنامجه وإلي كاريزما زعمائه وتأثيرهم علي الناس، أما المهمة الثانية أن يكون الحزب تياراً للنضال السياسي،
والنضال السياسي يعني أن تنزل إلي الشارع وأن تتظاهر وأن تكتب بقوة وأن تتحدث إلي التجمعات وأن تقف مع الشعب، يعني حينما تجد شركة تصدر سبعة مليارات متر مكعب من الغاز تقوم بثورة، يعني حينما تجد باراك يقابل رئيس الجمهورية وتجد مصر تتوعد الذين يهرّبون السلاح إلي الفلسطينيين الذين يدافعون عن وطنهم تقوم بثورة،
وحين تجد رئيس الجمهورية يقول إن إسرائيل مهمة جداً لنا وعلاقتي بها مهمة جداً، وحين تريد شيئاً عليها أن تحدثني علي الهاتف بدلاً من أن تشكونا للعالم، كان علي هذه الأحزاب أن تقول لا يا سيادة الرئيس إن إسرائيل ليست مهمة بالنسبة لك والأهم لك هو شعبك بل إن إسرائيل ليست مهمة أصلاً فهي عدو وليست صديقاً وأهمية العدو أن أتغلب عليه وليس في أن أصادقه وحين أصبح صديقاً لعدوي فإنني أفقد نفسي، وهذا دور الأحزاب وهي لم تفعل شيئاً في هذا الاتجاه.
* هذا لا يؤكد إخفاق الأحزاب فقط وإنما يقطع بإخفاق الحكومة أيضاً؟
- نعم.. وخذ مثالاً علي ذلك بمجموعة من أبناء الأمة كانوا خارجين علي السلوك المستقيم وراحوا ضحية مفاهيم مغلوطة وممارسات خاطئة واستحلوا الدماء والأموال لكنهم عادوا بعد الاعتقال القهري وبعد عزلة طالت عن الحياة، والمجتمع يجب أن يفتح له النظام الأبواب ويرحب به ويناقشه ويقف علي جدية مراجعة الأفكار،
لقد أفرج عن ٢٢ ألفاً من الجماعة الإسلامية ومن الجهاد نحو أربعة آلاف، كيف سيستعيد هؤلاء التواصل مع الحياة، كيف سيجدون فرص عمل، ومعظمهم متزوج ولديهم أسر وأغلبهم من الصعيد حيث فرص العمل منعدمة، ماذا فعلت لهم الدولة وماذا فعلت لهم الأحزاب ورجال الأعمال الذين ينتمون لهذه الأحزاب ماذا قدموا لأولئك الشباب والرجال؟ لم يقدموا شيئاً وهذا خطر جداً سيواجه هذا الشعب المصري.
* تعني أن مراجعات الجهاد والجماعة الإسلامية لم تحظ بالاستقبال الفكري المناسب؟
- ليس هذا فحسب بل الاستقبال السياسي والاقتصادي فقد كان هذا منعدماً، وهذا متروك لاثنين أو ثلاثة ممن يكتبون للصحافة، فقط كأن الأمر برمته لا يهم الحكومة ولا النظام ولا الأحزاب ولا الشعب ألم يكن هؤلاء مصدر خطر للوطن بقتل الأبرياء وتهديد السياحة والاقتصاد، فلماذا استقبلت عودتهم إلي الصواب بهذا الفتور، لماذا يتم استيعابهم كمصدر قوة..
ولذلك فإن الشاع لا يري في الأحزاب أي أمل، وها أنت تري الدكتور أسامة الغزالي حرب يصرح تقريباً في يوم ٢٧ ديسمبر بأنه يعيد النظر في العملية السياسية كلها بل في بقاء الحزب كله بعدما حدث لمرشحه في دائرة المنيل،
وأسامة الغزالي لا هو إخوان مسلمين ولا جماعات إسلامية ولا هو إبراهيم شكري ولا هو من خلفاء عادل ومجدي حسين إنما هو مرشح من حزب الجبهة الوطنية الديمقراطية الذي هو حزب ليس بينه وبين الحكومة خلاف، خصوصاً في الأصول العامة وحاصل علي موافقة نادرة من لجنة الأحزاب ورغم ذلك فإنه يفكر في الانسحاب من العملية السياسية ككل، لأن بقية الأحزاب لم تدعمه ولم تقف معه حين حاربته الدولة.
* الأحزاب مجهضة بفعل فاعل حتي وإن كانت منشغلة بهموم داخلية فالنظام هو الذي حدد إقامتها.
- زعماء الحزب في أي لقاء جماهيري أو مؤتمر داخل مقر الحزب يخطبون في الناس وتسجل كل محطات التليفزيون هذه المؤتمرات ولو قال رئيس أي حزب في أول كلامه أنه أضطر لإقامة المؤتمر داخل الحزب لأن النظام أو الأمن ضيق عليه ومنعه من إقامة المؤتمر في الشارع وأنه يعتذر للأمة، لن يستطيع أحد منعه في المرة الثانية لكنهم جبنوا في مواجهة التضييق المفروض عليهم.
هل سمعت رئيس حزب قال هذا الكلام؟ لم يحدث، هم قنعوا بهذا، في تصوري أن المقتول شريك في المسؤولية مع القاتل فهو لم يقاوم القاتل.