عبد الله عبد العزيز
14-Feb-2007, 09:02 AM
حسن صبرا (http://www.albainah.net/index.aspx?function=Author&id=360&lang=)الشراع/ 11-2-2007
كل الثورات تأكل ابناءها، ولا تشذ الثورة الايرانية التي قادها الإمام الخميني عن هذه القاعدة.. لكن الثورات التي تعيد انتاج ابنائها نادرة.. وثورة ايران من هذه الندرة.
أكلت ثورة الخميني أنجب وأهم ابنائها ومنهم من اسماه القائد خليفته وهو الشيخ حسين علي منتظري.. وأعادت ثورة الخميني في حياته وفي مماته انتاج احد أنبغ سياسييها الشيخ علي اكبر هاشمي رفسنجاني..
إذ بعد هـزيمتين قاسيتين امام رمـز الحركة الاصلاحية الجدي السيد محمد خاتمي، وأمام رمز التشدد المحافظ احمدي نجاد عاد رفسنجاني الى مكانة تليق به، ليس استعادة لمجد شخصي وتكريساً وتتويجاً لنضال سياسي بثوب رجل الدين المستهاب فقط، بل في محاولة جديدة لانقاذ ثورة ايران من ذاتها، بعد ان افلح رفسنجاني كثيراً في تثبيت الدولة في ايران..
وها هي تتآكل على يدي صبي مراهق كانت كل مؤهلاته انه يجيد قراءة سيرة الإمام الحسين في مجالسه المشهودة.. اسمه احمدي نجاد.. وجاء به تحالف المحافظين الذين خافوا ان تتآكل الثورة على ايدي بعض من ابنائها وأهمهم على الاطلاق.. الآن وبعد الخميني، السيد محمد خاتمي رئيس الجمهورية السابق لفترتين رئاسيتين في اعلى نسبة تصويت وأصوات يحصل عليها رئيس في جمهورية الخميني، والشيخ علي هاشمي رفسنجاني اول رئيس للجمهورية بعد غياب الخميني وتسلم خامنئي مهمة المرشد الاعلى للثورة.
رفسنجاني الذي خذله الجمهور الايراني مرتين، الاولى في عهد خاتمي عندما جعله في ذيل قائمة الناجحين الـ 30 عن نواب طهران وقيل انه سقط عملياً وجرت عملية استلحاق لرسمه نائباً.. بالتـزوير، والثانية عندما سقط امام احمدي نجاد.. عاد الآن بأعلى نسبة للأصوات في انتخابات مجلس صيانة الدستور في وقت هبط فيه مرجع نجاد الديـني والسياسي الشيخ مصباح يزدي الى أدنى درجات سلم الاصوات داخل هذا المجلس الذي ينتخب المرشد ويصوب كل قرارات رئيس الجمهورية ومجلس الشورى وبقية المؤسسات الحاكمة في ايران.
وسواء كان الجمهور الايراني واعياً وهو يسقط رفسنجاني او وهو يعيده، بعد ان اعطى اصواته لنجاد ثم خذله مؤخراً.
وسواء فقد نجاد ثقة ودعم خامنئي التي اعتمد عليها لهزيمة رفسنجاني عام 2005، وتحولت الثقة والدعم الى رفسنجاني، فإن الامر الاهم في كل هذا ان الدولة الايرانية التي اقامتها الثورة عادت الى الواجهة كمقياس اساسي لمصلحة ايران الكيان المؤلف من خمس قوميات هي الفارسية والعربية والبلوشية والآذرية والكردية.
ولا يعني هذا بحال من الاحوال ان رفسنجاني ليس ثورياً، بمقاييس رجال الدين او حتى الجمهور الايراني.. لكن هذا الشيخ تاجر الفستق الشاطر الذي كان محط اعجاب معلمه الإمام الخميني هو رجل المرحلة المطلوب لإنقاذ ما يمكن انقاذه من الحالات التي اوصلها اليها المراهق نجاد ومن خلفه من المحافظين المتشددين.. خاصة ازمة العلاقات السيئة المتصاعدة مع الولايات المتحدة الاميركية.
نجاد يتنـبأ بهزيمة اميركية وزوال اسرائيل ونهاية بريطانيا، ورفسنجاني عائد لبحث امكانية الحوار مع اميركا وطمأنتها بشأن اسرائيل وفتح علاقات جيدة مع بريطانيا.
إلامَ يستند رفسنجاني؟
أبرز وأعمق العارفين بمكانة وإمكانات رفسنجاني هو السيد علي خامنئي نفسه.
يذكر السيد خامنئي ان رفسنجاني استدعاه على عجل من مشهد، في قرية ايران شهر حين شكل الإمام الخميني في بداية الثورة عام 1978 مجلساً لقيادة الثورة ضم الى رفسنجاني تلامذة الخميني الآخرين الشيخ حسين منتظري ود. محمد مفتح (قتل) والشيخ مطهري (قتل) والشيخ حسين بهشتي (قتل) والسيد عبدالكريم موسوي اردبيلي وغاب عنه اسم خامنئي لولا استدراك رفسنجاني وإعادته لخامنئي من منفاه بأوامر من شاه ايران الحاكم يومها.
ويذكر السيد خامنئي ان الشيخ رفسنجاني هو الذي قال له امدد يدك لأبايعك في جلسة مجلس صيانة الدستور، وسط حيرة الآخرين فيمن يكون المؤهل لخلافة الخميني الذي رحل في حزيران/يونيو/ خرداد/ 1989.
كان الكثيرون يومها يعتقدون ان رفسنجاني هو المؤهل الوحيد لخلافة الخميني بعد ان تم خلع خليفته الاول الشيخ منتظري بأوامر من الخميني نفسه، فهو يتقدم على خامنئي عند الخميني وفي المؤسسات وفي الجمهور وداخل الاجهزة الامنية والعسكرية لدوره المميز خلال الحرب العراقية – الايرانية (1980- 1988).
لكن حذاقة رفسنجاني جعلته يحسم الامر لمصلحة خامنئي لسببين:
السبب الاول: ان خامنئي ينتسب الى سلالة رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولذا فهو يضع العمامة السوداء دلالة على نسبه المعظم هذا.. ولن يقدم رفسنجاني على هذا الخطأ الذي قد يسيء له امام الجمهور الايراني المسلم الذي يضع السادة المنتسبين الى الرسول الاعظم في مكانة مميزة عن غيرهم في المجتمع. والأهم ان الخمس الذي اختص به الفقه الشيعي للصرف على امور الدولة في غيبة الإمام تتوجه الى نائبه وهو من السلالة نفسها وبعد غياب نائب الإمام الخميني يصبح نائب الإمام الآخر او الوريث من السلالة نفسها.
السبب الثاني: ان طبيعة تفكير وممارسة رفسنجاني تنسجم مع حاجة ايران الى بناء الدولة والمؤسسات، انما تحت رعاية وشرعية الثورة وفكرها، خاصة وان رحيل المؤسس ما زال خلف الباب غير الموارب.
اننتخب خامنئي مرشداً بمبادرة من رفسنجاني، وانتخب رفسنجاني رئيساً للجمهورية بمبادرة من خامنئي.
دون ان ننسى ان خامنئي كان رئيساً للجمهورية عند وفاة الخميني، فكان من المنطقي ايضاً ان يتم اختيار خامنئي كمرشد كي لا تدخل ايران في دربكة ادارية اذا تم اختيار غيره لهذا المنصب.
ويذكر السيد خامنئي ان الامام الخميني كلف رفسنجاني بقراءة قرار تعيين د. مهدي بازركان كأول رئيس لوزراء ايران بعد نجاح الثورة في 10/2/1979.
ويذكر السيد خامنئي ان الإمام الخميني عين الشيخ رفسنجاني ممثلاً عنه في قيادة العمليات العسكرية خلال الحرب مع العراق.
وان رفسنجاني نفسه هو الذي ابلغ الإمام الخميني موقف القيادات العسكرية الداعي الى وقف هذه الحرب بعد استحالة كسبها او استمرارها.
وان رفسنجاني نفسه هو الذي قرأ موافقة الخميني على وقف اطلاق النار وقبول القرار 589 الذي وصف الخميني قبوله كمن يتجرع السم.
رفسنجاني والمستقبل
غير ان مؤهلات رفسنجاني ليست من اختبارات الماضي فحسب، بل هي حاجة للمستقبل اساساً.. لذا يعتقد كثيرون ان الرجل قادم بقوة الحاجة اليه لمواجهة استحقاقات عديدة مقبلة على ايران بسرعة الصاروخ سواء كان هذا الصاروخ اميركياً بداية للهجوم المنتظر، او ايرانياً استعداداً للدفاع المتوقع.
رفسنجاني قادم ليمنع انطلاق الصواريخ الاميركية والمضادات الايرانية.
ولهذا الرجل ايضاً تجربة مع التحدي الاميركي لبلاده خلال الحرب العراقية – الايرانية، وخاصة في نقطة التحول الحاسمة في هذه الحرب وهي اسقاط احدى البوارج الاميركية لطائرة ركاب مدنية ايرانية فوق الاراضي الايرانية لجهة الخليج العربي في رسالة اميركية حاسمة بحتمية وقف الحرب فهمها رفسنجاني وحمل قناعته مع رسالة القادة العسكريين الايرانيين ليعلن لمعلمه استحالة الحرب وحتمية انهائها.
اما التجربة السابقة الاخرى لرفسنجاني مع الولايات المتحدة فهي في كونه الرجل الذي استقبل مسؤول الامن القومي الاميركي السابق روبرت ماكفرلين الذي هبط طهران حاملاً عرضاً مدروساً لتـزويد ايران بالصواريخ وقطع غيار الرادارات والطائرات الاميركية الصنع، مقابل اطلاق سراح الرهائن الاميركيين وغيرهم في لبنان خلال الحرب الاهلية.. وهي الصفقة التي كشفتها مجلة ((الشراع)) في لبنان ونشرتها في عددها رقم 242 الصادر في 3/11/1986.. والتي كان من نتيجتها وقف الحرب العراقية – الايرانية بعد كشف الفضيحة والتـزام اميركا الدفاع عن نفسها امام العالم بأنها لن تـزود ايران بالسلاح مرة اخرى.
بهذا التاريخ وهذه الحاجة يجيء رفسنجاني للمستقبل.. فهل هذا يعني ان رفسنجاني سيكون قرضاي ايران او حتى برويـز مشرف؟.
رفسنجاني السياسي المحنك ان كان الاكثر مرونة في الاداء السياسي.. فهو الاكثر صلابة في الموقف.. لكنه في الحالتين الاكثر وعياً والأكثر اخلاصاً لمنطق الدولة وحاجاتها، وأكثر المستخدمين للثورة في خدمة الدولة، تاركاً لغيره اخضاع الدولة خدمة للثورة.. حتى اذا احتاجوا اليه بعد مآزق الثورة وتآكل الدولة وجدوه حاضراً ناضراً.
ثم انه المناخ السياسي والشعبي والمؤسساتي داخل ايران المهددة جدياً الذي جعل الناس تلتفت الى اعادة الاعتبار الى رفسنجاني.. والى خاتمي ايضاً كرمز اصلاحي يجيد التعامل مع الغرب.
فهذا الاخير الذي لم يخضع لتجربة الانتخابات الشعبية مؤخراً لاختبار مدى قوته الجماهيرية، عاش تجربتـين مهمتين داخل الوسط السياسي المحلي والدولي لتجسيد حضوره المميز:
*التجربة الاولى: حين كلفه السيد خامنئي بحضور مؤتمر دافوس الاقتصادي، بديلاً عن نجاد الذي كان يقطع الوقت في تحديات عنترية تلاقي الغضب ليس في واشنطن بل داخل طهران نفسها، عبر زيارات لقادة الثورة الجدد في اميركا اللاتيـنية وأهمهم هوغو تشافيز في فنـزويلا.
*التجربة الثانية: تمثيل السيد خامنئي في يوم الغدير وهو اليوم الذي ينظر اليه الشيعة باعتباره يوم البيعة من الرسول العربي الأكرم محمد بن عبدالله للإمام علي بن ابي طالب..
اقبل الناس على خاتمي كأنه رئيس الدولة الفعلي في تغييب متعمد لنجاد.
من جهة اخرى،
قرأ الإيرانيون جيداً، وفي ظل تصاعد الحديث عن تدهور صحة السيد خامنئي، اختيار المرشد للشيخ رفسنجاني ليقرأ خطبة العيد بعد شهر رمضان، فإذا به يقرأ خطبته هو وليس خطبة خامنئي رغم حضوره هذا الاحتفال.
وقرأ الايرانيون جيداً ايضاً، صورة رفسنجاني يقف خلف خامنئي وأيضاً في صلاة عيد الاضحى الاخيرة وبعدهما الصف الاول من قادة الدولة والمسؤولين.
وسواء ادى التدهور الحالي في صحة المرشد الى قضاء الله وقدره، أم استطاع المقاومة والصمود اشهراً او سنوات، فإن السيد خامنئي يحتاج وجود رفسنجاني لتعبر ايران معه الى ضفة الأمان، فهو الرجل الذي يعرف كيف يدير الدفة في المركب المثقل بالأوزان وكثرة ((الريّاس)).
يتبع
كل الثورات تأكل ابناءها، ولا تشذ الثورة الايرانية التي قادها الإمام الخميني عن هذه القاعدة.. لكن الثورات التي تعيد انتاج ابنائها نادرة.. وثورة ايران من هذه الندرة.
أكلت ثورة الخميني أنجب وأهم ابنائها ومنهم من اسماه القائد خليفته وهو الشيخ حسين علي منتظري.. وأعادت ثورة الخميني في حياته وفي مماته انتاج احد أنبغ سياسييها الشيخ علي اكبر هاشمي رفسنجاني..
إذ بعد هـزيمتين قاسيتين امام رمـز الحركة الاصلاحية الجدي السيد محمد خاتمي، وأمام رمز التشدد المحافظ احمدي نجاد عاد رفسنجاني الى مكانة تليق به، ليس استعادة لمجد شخصي وتكريساً وتتويجاً لنضال سياسي بثوب رجل الدين المستهاب فقط، بل في محاولة جديدة لانقاذ ثورة ايران من ذاتها، بعد ان افلح رفسنجاني كثيراً في تثبيت الدولة في ايران..
وها هي تتآكل على يدي صبي مراهق كانت كل مؤهلاته انه يجيد قراءة سيرة الإمام الحسين في مجالسه المشهودة.. اسمه احمدي نجاد.. وجاء به تحالف المحافظين الذين خافوا ان تتآكل الثورة على ايدي بعض من ابنائها وأهمهم على الاطلاق.. الآن وبعد الخميني، السيد محمد خاتمي رئيس الجمهورية السابق لفترتين رئاسيتين في اعلى نسبة تصويت وأصوات يحصل عليها رئيس في جمهورية الخميني، والشيخ علي هاشمي رفسنجاني اول رئيس للجمهورية بعد غياب الخميني وتسلم خامنئي مهمة المرشد الاعلى للثورة.
رفسنجاني الذي خذله الجمهور الايراني مرتين، الاولى في عهد خاتمي عندما جعله في ذيل قائمة الناجحين الـ 30 عن نواب طهران وقيل انه سقط عملياً وجرت عملية استلحاق لرسمه نائباً.. بالتـزوير، والثانية عندما سقط امام احمدي نجاد.. عاد الآن بأعلى نسبة للأصوات في انتخابات مجلس صيانة الدستور في وقت هبط فيه مرجع نجاد الديـني والسياسي الشيخ مصباح يزدي الى أدنى درجات سلم الاصوات داخل هذا المجلس الذي ينتخب المرشد ويصوب كل قرارات رئيس الجمهورية ومجلس الشورى وبقية المؤسسات الحاكمة في ايران.
وسواء كان الجمهور الايراني واعياً وهو يسقط رفسنجاني او وهو يعيده، بعد ان اعطى اصواته لنجاد ثم خذله مؤخراً.
وسواء فقد نجاد ثقة ودعم خامنئي التي اعتمد عليها لهزيمة رفسنجاني عام 2005، وتحولت الثقة والدعم الى رفسنجاني، فإن الامر الاهم في كل هذا ان الدولة الايرانية التي اقامتها الثورة عادت الى الواجهة كمقياس اساسي لمصلحة ايران الكيان المؤلف من خمس قوميات هي الفارسية والعربية والبلوشية والآذرية والكردية.
ولا يعني هذا بحال من الاحوال ان رفسنجاني ليس ثورياً، بمقاييس رجال الدين او حتى الجمهور الايراني.. لكن هذا الشيخ تاجر الفستق الشاطر الذي كان محط اعجاب معلمه الإمام الخميني هو رجل المرحلة المطلوب لإنقاذ ما يمكن انقاذه من الحالات التي اوصلها اليها المراهق نجاد ومن خلفه من المحافظين المتشددين.. خاصة ازمة العلاقات السيئة المتصاعدة مع الولايات المتحدة الاميركية.
نجاد يتنـبأ بهزيمة اميركية وزوال اسرائيل ونهاية بريطانيا، ورفسنجاني عائد لبحث امكانية الحوار مع اميركا وطمأنتها بشأن اسرائيل وفتح علاقات جيدة مع بريطانيا.
إلامَ يستند رفسنجاني؟
أبرز وأعمق العارفين بمكانة وإمكانات رفسنجاني هو السيد علي خامنئي نفسه.
يذكر السيد خامنئي ان رفسنجاني استدعاه على عجل من مشهد، في قرية ايران شهر حين شكل الإمام الخميني في بداية الثورة عام 1978 مجلساً لقيادة الثورة ضم الى رفسنجاني تلامذة الخميني الآخرين الشيخ حسين منتظري ود. محمد مفتح (قتل) والشيخ مطهري (قتل) والشيخ حسين بهشتي (قتل) والسيد عبدالكريم موسوي اردبيلي وغاب عنه اسم خامنئي لولا استدراك رفسنجاني وإعادته لخامنئي من منفاه بأوامر من شاه ايران الحاكم يومها.
ويذكر السيد خامنئي ان الشيخ رفسنجاني هو الذي قال له امدد يدك لأبايعك في جلسة مجلس صيانة الدستور، وسط حيرة الآخرين فيمن يكون المؤهل لخلافة الخميني الذي رحل في حزيران/يونيو/ خرداد/ 1989.
كان الكثيرون يومها يعتقدون ان رفسنجاني هو المؤهل الوحيد لخلافة الخميني بعد ان تم خلع خليفته الاول الشيخ منتظري بأوامر من الخميني نفسه، فهو يتقدم على خامنئي عند الخميني وفي المؤسسات وفي الجمهور وداخل الاجهزة الامنية والعسكرية لدوره المميز خلال الحرب العراقية – الايرانية (1980- 1988).
لكن حذاقة رفسنجاني جعلته يحسم الامر لمصلحة خامنئي لسببين:
السبب الاول: ان خامنئي ينتسب الى سلالة رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولذا فهو يضع العمامة السوداء دلالة على نسبه المعظم هذا.. ولن يقدم رفسنجاني على هذا الخطأ الذي قد يسيء له امام الجمهور الايراني المسلم الذي يضع السادة المنتسبين الى الرسول الاعظم في مكانة مميزة عن غيرهم في المجتمع. والأهم ان الخمس الذي اختص به الفقه الشيعي للصرف على امور الدولة في غيبة الإمام تتوجه الى نائبه وهو من السلالة نفسها وبعد غياب نائب الإمام الخميني يصبح نائب الإمام الآخر او الوريث من السلالة نفسها.
السبب الثاني: ان طبيعة تفكير وممارسة رفسنجاني تنسجم مع حاجة ايران الى بناء الدولة والمؤسسات، انما تحت رعاية وشرعية الثورة وفكرها، خاصة وان رحيل المؤسس ما زال خلف الباب غير الموارب.
اننتخب خامنئي مرشداً بمبادرة من رفسنجاني، وانتخب رفسنجاني رئيساً للجمهورية بمبادرة من خامنئي.
دون ان ننسى ان خامنئي كان رئيساً للجمهورية عند وفاة الخميني، فكان من المنطقي ايضاً ان يتم اختيار خامنئي كمرشد كي لا تدخل ايران في دربكة ادارية اذا تم اختيار غيره لهذا المنصب.
ويذكر السيد خامنئي ان الامام الخميني كلف رفسنجاني بقراءة قرار تعيين د. مهدي بازركان كأول رئيس لوزراء ايران بعد نجاح الثورة في 10/2/1979.
ويذكر السيد خامنئي ان الإمام الخميني عين الشيخ رفسنجاني ممثلاً عنه في قيادة العمليات العسكرية خلال الحرب مع العراق.
وان رفسنجاني نفسه هو الذي ابلغ الإمام الخميني موقف القيادات العسكرية الداعي الى وقف هذه الحرب بعد استحالة كسبها او استمرارها.
وان رفسنجاني نفسه هو الذي قرأ موافقة الخميني على وقف اطلاق النار وقبول القرار 589 الذي وصف الخميني قبوله كمن يتجرع السم.
رفسنجاني والمستقبل
غير ان مؤهلات رفسنجاني ليست من اختبارات الماضي فحسب، بل هي حاجة للمستقبل اساساً.. لذا يعتقد كثيرون ان الرجل قادم بقوة الحاجة اليه لمواجهة استحقاقات عديدة مقبلة على ايران بسرعة الصاروخ سواء كان هذا الصاروخ اميركياً بداية للهجوم المنتظر، او ايرانياً استعداداً للدفاع المتوقع.
رفسنجاني قادم ليمنع انطلاق الصواريخ الاميركية والمضادات الايرانية.
ولهذا الرجل ايضاً تجربة مع التحدي الاميركي لبلاده خلال الحرب العراقية – الايرانية، وخاصة في نقطة التحول الحاسمة في هذه الحرب وهي اسقاط احدى البوارج الاميركية لطائرة ركاب مدنية ايرانية فوق الاراضي الايرانية لجهة الخليج العربي في رسالة اميركية حاسمة بحتمية وقف الحرب فهمها رفسنجاني وحمل قناعته مع رسالة القادة العسكريين الايرانيين ليعلن لمعلمه استحالة الحرب وحتمية انهائها.
اما التجربة السابقة الاخرى لرفسنجاني مع الولايات المتحدة فهي في كونه الرجل الذي استقبل مسؤول الامن القومي الاميركي السابق روبرت ماكفرلين الذي هبط طهران حاملاً عرضاً مدروساً لتـزويد ايران بالصواريخ وقطع غيار الرادارات والطائرات الاميركية الصنع، مقابل اطلاق سراح الرهائن الاميركيين وغيرهم في لبنان خلال الحرب الاهلية.. وهي الصفقة التي كشفتها مجلة ((الشراع)) في لبنان ونشرتها في عددها رقم 242 الصادر في 3/11/1986.. والتي كان من نتيجتها وقف الحرب العراقية – الايرانية بعد كشف الفضيحة والتـزام اميركا الدفاع عن نفسها امام العالم بأنها لن تـزود ايران بالسلاح مرة اخرى.
بهذا التاريخ وهذه الحاجة يجيء رفسنجاني للمستقبل.. فهل هذا يعني ان رفسنجاني سيكون قرضاي ايران او حتى برويـز مشرف؟.
رفسنجاني السياسي المحنك ان كان الاكثر مرونة في الاداء السياسي.. فهو الاكثر صلابة في الموقف.. لكنه في الحالتين الاكثر وعياً والأكثر اخلاصاً لمنطق الدولة وحاجاتها، وأكثر المستخدمين للثورة في خدمة الدولة، تاركاً لغيره اخضاع الدولة خدمة للثورة.. حتى اذا احتاجوا اليه بعد مآزق الثورة وتآكل الدولة وجدوه حاضراً ناضراً.
ثم انه المناخ السياسي والشعبي والمؤسساتي داخل ايران المهددة جدياً الذي جعل الناس تلتفت الى اعادة الاعتبار الى رفسنجاني.. والى خاتمي ايضاً كرمز اصلاحي يجيد التعامل مع الغرب.
فهذا الاخير الذي لم يخضع لتجربة الانتخابات الشعبية مؤخراً لاختبار مدى قوته الجماهيرية، عاش تجربتـين مهمتين داخل الوسط السياسي المحلي والدولي لتجسيد حضوره المميز:
*التجربة الاولى: حين كلفه السيد خامنئي بحضور مؤتمر دافوس الاقتصادي، بديلاً عن نجاد الذي كان يقطع الوقت في تحديات عنترية تلاقي الغضب ليس في واشنطن بل داخل طهران نفسها، عبر زيارات لقادة الثورة الجدد في اميركا اللاتيـنية وأهمهم هوغو تشافيز في فنـزويلا.
*التجربة الثانية: تمثيل السيد خامنئي في يوم الغدير وهو اليوم الذي ينظر اليه الشيعة باعتباره يوم البيعة من الرسول العربي الأكرم محمد بن عبدالله للإمام علي بن ابي طالب..
اقبل الناس على خاتمي كأنه رئيس الدولة الفعلي في تغييب متعمد لنجاد.
من جهة اخرى،
قرأ الإيرانيون جيداً، وفي ظل تصاعد الحديث عن تدهور صحة السيد خامنئي، اختيار المرشد للشيخ رفسنجاني ليقرأ خطبة العيد بعد شهر رمضان، فإذا به يقرأ خطبته هو وليس خطبة خامنئي رغم حضوره هذا الاحتفال.
وقرأ الايرانيون جيداً ايضاً، صورة رفسنجاني يقف خلف خامنئي وأيضاً في صلاة عيد الاضحى الاخيرة وبعدهما الصف الاول من قادة الدولة والمسؤولين.
وسواء ادى التدهور الحالي في صحة المرشد الى قضاء الله وقدره، أم استطاع المقاومة والصمود اشهراً او سنوات، فإن السيد خامنئي يحتاج وجود رفسنجاني لتعبر ايران معه الى ضفة الأمان، فهو الرجل الذي يعرف كيف يدير الدفة في المركب المثقل بالأوزان وكثرة ((الريّاس)).
يتبع