am.sc59
06-Feb-2008, 07:17 AM
امتحان المعبر ـ د. رفيق حبيب
د. رفيق حبيب : بتاريخ 5 - 2 - 2008http://montada.alwasatparty.com/imgcache/1949.imgcache.jpg جريمة حصار قطاع غزة، والتي أدت إلى اقتحام معبر رفح من الجماهير الفلسطينية، تمثل لحظة امتحان صعب للنظام السياسي المصري، وكذلك للسلطة الوطنية الفلسطينية، والنظام السياسي العربي برمته. وهذه اللحظة كشفت عن العديد من الحقائق المهمة، عن النظام السياسي الحاكم، ووضعته أمام تحديات جديدة، تتطلب منه مواقف مختلفة وسياسة مغايرة، تتمشى مع الوقائع على الأرض. فهل نجح النظام السياسي الحاكم، خاصة المصري في الامتحان؟ حتى نعرف الإجابة، علينا تحليل دلالات لحظة اقتحام المعبر. فهذه اللحظة كانت لحظة الفعل الشعبي بامتياز، فقد اقتحم سكان عزة المعبر بعد تدميره، وخلقوا بهذا وضعا جديدا، فلم يفتح المعبر بقرار سياسي من الحكومة المصرية، ولكن الحكومة وجدت المعبر مفتوحا، والناس تتدفق منه، وكان عليها أن تحدد رد الفعل، دون أن يكون عليها مسئولية الفعل. وفي نفس الوقت، وقبل عملية اقتحام المعبر، كانت القوى السياسية المصرية تنظم فعاليات ومظاهرات في الشارع المصري، تطالب بفتح المعبر، كما نظمت القوى الشعبية والسياسية قوافل إمدادات لقطاع عزة. وبهذا تشكل موقف عام في الشارع المصري، يطالب بفتح المعبر، ويقدم المساعدات بجهد شعبي. وقامت جماعة الإخوان المسلمين مع القوى السياسية الأخرى، بجهد واضح في تحريك الشارع المصري، والقيام بالمظاهرات وجمع المساعدات. وفي البداية وقف النظام المصري موقفا متشددا من جماعة الإخوان، وبدأ حملة اعتقالات، كما أنه لم يفتح المعبر أمام دخول المساعدات قبل اقتحامه، بل أنه رفض فتح المعبر عندما حاول سكان عزة الدخول منه، قبل تدمير الجدار. وبهذا لم يتفاعل النظام المصري مع مشكلة قطاع عزة، وفضل الامتثال لالتزاماته أمام إسرائيل والإدارة الأمريكية، على التزاماته أمام الرأي العام المصري، وعلى التزامه العربي والإسلامي، بالإضافة لالتزامه تجاه الأمن القومي المصري، والذي تمثل غزة بوابته الأولى.
ولكن عندما فرض الواقع نفسه على النظام السياسي المصري، وقدم له المبرر والعذر، قبل النظام المصري عملية تدفق سكان غزة إلى رفح والعريش، ولكنه ظل يحاول وقف التدفق ثم يتراجع، حتى يتمكن من السيطرة على المعبر. وفي المقابل ظلت أجهزة الأمن تعرقل قوافل الإغاثة حينا، وتسمح بها أحيانا، دون موقف ثابت. وكأن النظام أراد التعامل مع الواقع، ولكنه لم يستطع التجاوب لهذا الواقع، فظل يحاول التكيف معه على استحياء. وهنا ظهر تباين في مواقف الأجنحة المختلفة للنخبة الحاكمة، حيث ظلت بعض تلك الأجنحة تهاجم الفلسطينيين وحركة حماس، وترفض بشدة فتح المعبر، وكانت تلك الأجنحة تتوافق بالكامل مع الموقف الإسرائيلي والأمريكي، ولكن أجنحة أخرى، خاصة مؤسسة الرئاسة، ظلت تحاول خلق موقف متوازن لها، يقوم على فكرة المسئولية الإنسانية تجاه الشعب المحاصر. ولكن الموقف المصري الرسمي لم يتغير فعليا، وتلك هي القضية المهمة، فلم يعيد النظام المصري دراسة مواقفه على أساس الواقع الجديد الذي خلقته القوى الشعبية، بل تغير موقفه اللحظي فقط، وهو ما ظهر بعد ذلك في المحادثات التي أدارها النظام المصري مع الأطراف الفلسطينية، لأن الحكومة المصرية كانت تملك وسائل للضغط على كل الأطراف، لأنها تملك في النهاية قرار فتح المعبر، على أساس أنه بوابة على الحدود المصرية، والتي يفترض أنها تملك السيادة الكاملة عليها. وهنا ظهر ما يسمى بالالتزامات الدولية لمصر، في مواجهة الالتزامات الشعبية والعربية والإسلامية، وظهر أن الالتزام الدولي هو الأقوى بالنسبة للحكومة المصرية، على أي التزام آخر. وتلك في تصرونا المشكلة الرئيسية للنظام السياسي المصري، أنه لا يوازن بين معطيات الواقع المتنوعة، ولكن يستسلم للمعطيات المفروضة عليه من الخارج، دون المعطيات المفروضة عليه من شعبه.
وعندما نقيم الحدث المهم الذي جرى على معبر رفح، سنجد أن موقف سكان غزة استطاع خلق واقع جديد، وهذا الواقع لا يمكن التغاضي عنه، ولا يمكن العودة إلى الوراء، ولا يمكن فرض شروط على سكان القطاع، ولا على القوى السياسية الممثلة لهم، مثل حركة حماس، ولا على قوى المقاومة ومنها حركة حماس والجهاد الإسلامي ولجان المقاومة الشعبية والجناح المقاوم من كتائب الأقصى وغيرهم. ونقصد من ذلك، أن لحظة اقتحام المعبر غيرت الواقع الفعلي على الأرض، وهذا الواقع لا يمكن عودته لما قبل الاقتحام. والحكومة المصرية تعاملت مع لحظة فتح المعبر باعتبارها لحظة مختلفة، ولكنها تصورت إمكانية التغاضي عن هذا الحادث بوصفه حادثا استثنائيا، ثم تعاد الأمور إلى ما كانت عليه. ولكن حركة حماس أوضحت بشكل قاطع، باستحالة عودة الأمور لما كانت عليه، أي ابتزاز المقاومة من خلال قتل شعب غزة. وهنا نلمح مشكلة النظام المصري الحاكم، لأنه لم يستطع التعامل مع هذا الوضع الجديد على أساس أنه أصبح واقعا مستقبليا ومستمرا، رغم أن الواقع الجديد قدم للنظام المصري العديد من الأوراق التي يستطيع بها فك ما يتعرض له من حصار، حيث أصبح في الواقع هو صاحب القرار في فتح المعبر، وقادرا على ممارسة الضغط على جميع الأطراف، وبالتالي قادر على لعب دور مهم في المسألة الفلسطينية برمتها، بعد أن تضائل دوره في الفترة الأخيرة. بهذا أصبح أمام النظام المصري قدر من حرية الحركة، وهي أفضل له من بقائه رهن المطالب والشروط الأمريكية والإسرائيلية. ومع ذلك سقط النظام المصري في الامتحان، ولم يستفد من هذه اللحظة التاريخية المهمة، حتى يوازن بين الضغوط الشعبية والمسئوليات العربية والإسلامية، وبين الشروط والضغوط الخارجية. وهذا في الواقع أمر غريب، فلم يطلب أحد من النظام المصري تغيير كل سياساته، ولم يطالبه أحد بترك مقاعد الحكم، فكل ما طلب منه في هذه اللحظة المهمة، هو أن يوازن بين مقتضيات الواقع، ويضع لضغط سكان غزة والضغط الشعبي المصري، والضغط الشعبي العربي، اعتباره في حساباته. خاصة وأنه يملك فرصة تلبية المطالب الشعبية لأنها إنسانية وضرورية، وهو ما يسمح له بتحسين صورته أمام الجماهير، وتوسيع هامش حريته أمام الضغوط الخارجية. ولكن عدم تغيير النظام الحاكم لمواقفه في هذه اللحظة المهمة، والتي جاءته دون أن يصنعها، وعدم استفادته من هذه الضغوط التلقائية لتحسين وضعه داخليا وعربيا ودوليا، يؤكد على أن النظام لم يعد حتى يمارس السياسة، وأنه تحول إلى جهاز أمني فقط، يفكر من خلال فكرة السيطرة الشاملة، وفي السياسة لا توجد سيطرة شاملة، بل توجد مساحات للحركة والمناورة. وفشل النظام في الاستفادة من مساحات الحركة والمناورة التي تتاح له، ينذر بمخاطر الاستخدام المفرط للأمن، في أي امتحان شعبي آخر يواجهه النظام.
على الجانب الآخر، ظهر جليا أن ما قامت به جماهير غزة وحركة حماس وغيرها من حركات المقاومة، وما قامت به القوى الشعبية والسياسية المصرية، خاصة جماعة الإخوان المسلمين، مثل الفعل الصحيح في اللحظة المناسبة، فهو الفعل الذي خلق واقعا جديدا، وأصبح على كل الأطراف الشعبية المحافظة على هذا الوضع الجديد، والذي يربط مصير قطاع غزة بمصر، لتصبح مصر طرفا أصيلا في القضية الفلسطينية، وليست مجرد طرفا محايدا.
د. رفيق حبيب : بتاريخ 5 - 2 - 2008http://montada.alwasatparty.com/imgcache/1949.imgcache.jpg جريمة حصار قطاع غزة، والتي أدت إلى اقتحام معبر رفح من الجماهير الفلسطينية، تمثل لحظة امتحان صعب للنظام السياسي المصري، وكذلك للسلطة الوطنية الفلسطينية، والنظام السياسي العربي برمته. وهذه اللحظة كشفت عن العديد من الحقائق المهمة، عن النظام السياسي الحاكم، ووضعته أمام تحديات جديدة، تتطلب منه مواقف مختلفة وسياسة مغايرة، تتمشى مع الوقائع على الأرض. فهل نجح النظام السياسي الحاكم، خاصة المصري في الامتحان؟ حتى نعرف الإجابة، علينا تحليل دلالات لحظة اقتحام المعبر. فهذه اللحظة كانت لحظة الفعل الشعبي بامتياز، فقد اقتحم سكان عزة المعبر بعد تدميره، وخلقوا بهذا وضعا جديدا، فلم يفتح المعبر بقرار سياسي من الحكومة المصرية، ولكن الحكومة وجدت المعبر مفتوحا، والناس تتدفق منه، وكان عليها أن تحدد رد الفعل، دون أن يكون عليها مسئولية الفعل. وفي نفس الوقت، وقبل عملية اقتحام المعبر، كانت القوى السياسية المصرية تنظم فعاليات ومظاهرات في الشارع المصري، تطالب بفتح المعبر، كما نظمت القوى الشعبية والسياسية قوافل إمدادات لقطاع عزة. وبهذا تشكل موقف عام في الشارع المصري، يطالب بفتح المعبر، ويقدم المساعدات بجهد شعبي. وقامت جماعة الإخوان المسلمين مع القوى السياسية الأخرى، بجهد واضح في تحريك الشارع المصري، والقيام بالمظاهرات وجمع المساعدات. وفي البداية وقف النظام المصري موقفا متشددا من جماعة الإخوان، وبدأ حملة اعتقالات، كما أنه لم يفتح المعبر أمام دخول المساعدات قبل اقتحامه، بل أنه رفض فتح المعبر عندما حاول سكان عزة الدخول منه، قبل تدمير الجدار. وبهذا لم يتفاعل النظام المصري مع مشكلة قطاع عزة، وفضل الامتثال لالتزاماته أمام إسرائيل والإدارة الأمريكية، على التزاماته أمام الرأي العام المصري، وعلى التزامه العربي والإسلامي، بالإضافة لالتزامه تجاه الأمن القومي المصري، والذي تمثل غزة بوابته الأولى.
ولكن عندما فرض الواقع نفسه على النظام السياسي المصري، وقدم له المبرر والعذر، قبل النظام المصري عملية تدفق سكان غزة إلى رفح والعريش، ولكنه ظل يحاول وقف التدفق ثم يتراجع، حتى يتمكن من السيطرة على المعبر. وفي المقابل ظلت أجهزة الأمن تعرقل قوافل الإغاثة حينا، وتسمح بها أحيانا، دون موقف ثابت. وكأن النظام أراد التعامل مع الواقع، ولكنه لم يستطع التجاوب لهذا الواقع، فظل يحاول التكيف معه على استحياء. وهنا ظهر تباين في مواقف الأجنحة المختلفة للنخبة الحاكمة، حيث ظلت بعض تلك الأجنحة تهاجم الفلسطينيين وحركة حماس، وترفض بشدة فتح المعبر، وكانت تلك الأجنحة تتوافق بالكامل مع الموقف الإسرائيلي والأمريكي، ولكن أجنحة أخرى، خاصة مؤسسة الرئاسة، ظلت تحاول خلق موقف متوازن لها، يقوم على فكرة المسئولية الإنسانية تجاه الشعب المحاصر. ولكن الموقف المصري الرسمي لم يتغير فعليا، وتلك هي القضية المهمة، فلم يعيد النظام المصري دراسة مواقفه على أساس الواقع الجديد الذي خلقته القوى الشعبية، بل تغير موقفه اللحظي فقط، وهو ما ظهر بعد ذلك في المحادثات التي أدارها النظام المصري مع الأطراف الفلسطينية، لأن الحكومة المصرية كانت تملك وسائل للضغط على كل الأطراف، لأنها تملك في النهاية قرار فتح المعبر، على أساس أنه بوابة على الحدود المصرية، والتي يفترض أنها تملك السيادة الكاملة عليها. وهنا ظهر ما يسمى بالالتزامات الدولية لمصر، في مواجهة الالتزامات الشعبية والعربية والإسلامية، وظهر أن الالتزام الدولي هو الأقوى بالنسبة للحكومة المصرية، على أي التزام آخر. وتلك في تصرونا المشكلة الرئيسية للنظام السياسي المصري، أنه لا يوازن بين معطيات الواقع المتنوعة، ولكن يستسلم للمعطيات المفروضة عليه من الخارج، دون المعطيات المفروضة عليه من شعبه.
وعندما نقيم الحدث المهم الذي جرى على معبر رفح، سنجد أن موقف سكان غزة استطاع خلق واقع جديد، وهذا الواقع لا يمكن التغاضي عنه، ولا يمكن العودة إلى الوراء، ولا يمكن فرض شروط على سكان القطاع، ولا على القوى السياسية الممثلة لهم، مثل حركة حماس، ولا على قوى المقاومة ومنها حركة حماس والجهاد الإسلامي ولجان المقاومة الشعبية والجناح المقاوم من كتائب الأقصى وغيرهم. ونقصد من ذلك، أن لحظة اقتحام المعبر غيرت الواقع الفعلي على الأرض، وهذا الواقع لا يمكن عودته لما قبل الاقتحام. والحكومة المصرية تعاملت مع لحظة فتح المعبر باعتبارها لحظة مختلفة، ولكنها تصورت إمكانية التغاضي عن هذا الحادث بوصفه حادثا استثنائيا، ثم تعاد الأمور إلى ما كانت عليه. ولكن حركة حماس أوضحت بشكل قاطع، باستحالة عودة الأمور لما كانت عليه، أي ابتزاز المقاومة من خلال قتل شعب غزة. وهنا نلمح مشكلة النظام المصري الحاكم، لأنه لم يستطع التعامل مع هذا الوضع الجديد على أساس أنه أصبح واقعا مستقبليا ومستمرا، رغم أن الواقع الجديد قدم للنظام المصري العديد من الأوراق التي يستطيع بها فك ما يتعرض له من حصار، حيث أصبح في الواقع هو صاحب القرار في فتح المعبر، وقادرا على ممارسة الضغط على جميع الأطراف، وبالتالي قادر على لعب دور مهم في المسألة الفلسطينية برمتها، بعد أن تضائل دوره في الفترة الأخيرة. بهذا أصبح أمام النظام المصري قدر من حرية الحركة، وهي أفضل له من بقائه رهن المطالب والشروط الأمريكية والإسرائيلية. ومع ذلك سقط النظام المصري في الامتحان، ولم يستفد من هذه اللحظة التاريخية المهمة، حتى يوازن بين الضغوط الشعبية والمسئوليات العربية والإسلامية، وبين الشروط والضغوط الخارجية. وهذا في الواقع أمر غريب، فلم يطلب أحد من النظام المصري تغيير كل سياساته، ولم يطالبه أحد بترك مقاعد الحكم، فكل ما طلب منه في هذه اللحظة المهمة، هو أن يوازن بين مقتضيات الواقع، ويضع لضغط سكان غزة والضغط الشعبي المصري، والضغط الشعبي العربي، اعتباره في حساباته. خاصة وأنه يملك فرصة تلبية المطالب الشعبية لأنها إنسانية وضرورية، وهو ما يسمح له بتحسين صورته أمام الجماهير، وتوسيع هامش حريته أمام الضغوط الخارجية. ولكن عدم تغيير النظام الحاكم لمواقفه في هذه اللحظة المهمة، والتي جاءته دون أن يصنعها، وعدم استفادته من هذه الضغوط التلقائية لتحسين وضعه داخليا وعربيا ودوليا، يؤكد على أن النظام لم يعد حتى يمارس السياسة، وأنه تحول إلى جهاز أمني فقط، يفكر من خلال فكرة السيطرة الشاملة، وفي السياسة لا توجد سيطرة شاملة، بل توجد مساحات للحركة والمناورة. وفشل النظام في الاستفادة من مساحات الحركة والمناورة التي تتاح له، ينذر بمخاطر الاستخدام المفرط للأمن، في أي امتحان شعبي آخر يواجهه النظام.
على الجانب الآخر، ظهر جليا أن ما قامت به جماهير غزة وحركة حماس وغيرها من حركات المقاومة، وما قامت به القوى الشعبية والسياسية المصرية، خاصة جماعة الإخوان المسلمين، مثل الفعل الصحيح في اللحظة المناسبة، فهو الفعل الذي خلق واقعا جديدا، وأصبح على كل الأطراف الشعبية المحافظة على هذا الوضع الجديد، والذي يربط مصير قطاع غزة بمصر، لتصبح مصر طرفا أصيلا في القضية الفلسطينية، وليست مجرد طرفا محايدا.