المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل للدولة قيمة تحميها؟ ـ د. رفيق حبيب


am.sc59
27-Feb-2008, 07:02 AM
هل للدولة قيمة تحميها؟ ـ د. رفيق حبيب

د. رفيق حبيب : بتاريخ 26 - 2 - 2008http://montada.alwasatparty.com/imgcache/2392.imgcache.jpg يريد البعض أن يصور لنا النظام السياسي والدولة بوصفهما كيانا سياسيا بحتا، يتعامل مع الواقع من خلال منهج سياسي، لا علاقة له بالقيم المجردة أو المعاني أو المبادئ. وكأن ما يحكم النظام السياسي هو الأمر الواقع، والوقائع التي يعالجها، وبالتالي يتحدد القرار السياسي في ضوء الممكن والمتاح، وفي ضوء الحلول العملية للمشكلات المطروحة على النظام السياسي. وبهذا المعنى يكون النظام السياسي متحررا من القيمة، وليس له تحيز ما لقيمة ما. وهذا التصور يتعارض في النهاية مع ما يضاف للنظام السياسي من قواعد أساسية يراد أن يلتزم بها هذا النظام، مثل المواطنة والمساواة والديمقراطية. وحتى إذا تصورنا هذه القواعد بوصفها القواعد الحاكمة لأساليب العمل السياسي، وتصورنا أنها لا ترقى لمستوى القيم العليا، وأنها تمثل فقط القواعد العملية المراد للنظام السياسي الالتزام بها، فسنجد أنفسنا أمام نظام تفرض عليه قيم ضمنية غير معلنة في صورة قواعد قانونية ودستورية، مما يشكل في النهاية إطارا حاكما للنظام السياسي والدولة، وكل إطار حاكم هو قيمة عليا في نهاية الأمر. والمشكلة هنا في تصورنا تتعلق لا بالنظام السياسي بل بالرؤى السياسية المطروحة على الساحة السياسية، خاصة الرؤى السياسية المستمدة من التجربة السياسية الغربية. فهذه الرؤى تحاول طرح نفسها في صورة ملتبسة، حتى لا تصطدم مباشرة بقيم عليا في المجتمع. ولذا نرى أن الاتجاهات العلمانية تطرح نفسها في الواقع بصورة يغلب عليها التحايل، حتى لا تصرح بما يضعها في موضع الاتهام من عامة الناس. ورغم أن الخطاب العلماني يزداد جرأة، إلا أنه يحاول أن يلبس أشكالا ليست منه وليست فيه، بدلا من إعلان رؤيته الحقيقية. لهذا نرى أن من المهم النظر إلى القيمة التي يقوم النظام السياسي بحمايتها، وتقوم الدولة بحمايتها، ومن خلال هذه القيمة أو القيم، يمكنا معرفة هوية النظام السياسي وهوية الدولة. وفكرة البحث عن القيمة الأساسية في النظام السياسي، تقوم على فرضية أساسية، وهي أن القيمة العليا تمثل الهدف الأسمى أو الهدف النهائي، الذي يسعى له النظام السياسي، ولذلك فهي الغاية العليا، والتي يفترض أن لا يتنازل عنها النظام السياسي. ويفترض في هذه القيمة العليا، أن تكون مركز البناء الدستوري، حيث تمثل المبدأ الأساسي الذي يبنى عليه الدستور، وعليه تكون هذه القيمة هي المبدأ فوق الدستوري، أي المبدأ الذي لا يمكن معارضته بأي مبدأ آخر بداخل الدستور، كما أنه المبدأ الذي لا يجوز تغييره في الدستور من خلال المجالس التشريعية، لأن تغييره يعني تغيير الدستور، ولذلك يحتاج تغييره إلى تكوين جمعية وطنية عامة، لا تقوم على الغلبة السياسية والتي تنتج من الانتخابات التشريعية، فلا يجوز لتيار سياسي أيا كان أن ينفرد بتعديل الدستور، فما بالنا بتعديل المبدأ الأساسي الذي يقوم عليه الدستور، والذي يعني تبديلا للدستور برمته. من هنا كان من الضروري لكل نظام سياسي، تحديد القيم العليا أو المبادئ فوق الدستورية، والتي تمثل هوية النظام السياسي والأساس الذي يقوم عليه. وفي النظام السياسي المستبد، والذي يقوم على سيطرة نخبة ما على الحكم، كما في معظم الدول العربية والإسلامية، لا يمكن أن نسأل عن القيمة العليا. فعندما يقوم النظام السياسي على الاستبداد والفساد، فلا مكان للسؤال عن القيمة العليا أو المبدأ فوق الدستوري. ولكن في التاريخ عرفنا العديد من الأنظمة السياسية التي قامت على اغتصاب السلطة بالقوة، ولكن مع هذا التزم من وصل للحكم بالقيم العليا للأمة، وكان بذلك نظاما غير ديمقراطي، أي لم يأت بالاختيار الحر من الناس، ولم يحصل على البيعة الحرة، ولكنه مع ذلك التزم بما تفرضه الأمة من قيم ومرجعية عليا. ولكن الشكل المعاصر من الاستبداد، يقوم على السيطرة على السلطة من خلال السيطرة على الدولة ومصادر القوة والثروة. وهذا الشكل الاستبدادي لا يعرف قيمة عليا، لأن مبدأه الأساسي الاستمرار في الحكم.
في المقابل من هذا نجد أننا أمام بديلين مركزيين في الأنظمة السياسية، على الساحة العربية والإسلامية. والبديل الأول هو البديل الإسلامي، والذي يفترض قيام دولة تحمي القيم الحضارية الإسلامية، أي أن القيمة العليا مستمدة من مرجعية الشريعة والحضارة الإسلامية، وبهذا يكون للنظام قيمة عليا يحميها. والبديل الثاني المطروح هو البديل العلماني، حيث تكون القيمة العليا للنظام السياسي هي العلمانية، والتي تعني سيادة العقل البشري، وسيادة قيمة الحرية الفردية وحرية التعبير على أي قيم أخرى. وهذا البديل العلماني قدم لنا أحيانا بوصفه عملا سياسيا بحتا، لا يؤثر على المجتمع، ولكن الواقع أنه يمثل بديلا سياسيا ينظم الحياة والمجتمع، وينظم المجال العام من خلال قيمته العليا. وتلك هي المسألة المحورية في فهم القيمة العليا التي تحميها الدولة، فهذه القيمة يجب أن تكون القيمة الأساسية للمجال العام. فإذا قامت الدولة على قيمة العلمانية، أصبحت العلمانية هي القيمة العليا في المجال العام. وهذا ما يفسر مثلا مواقف الدول الأوروبية التي تريد حماية المجال العام من أي ظهور للقيمة الدينية، والتي تصل بهذه الدول للتطرف في حماية العلمانية فتحاول منع الحجاب، رغم أنه يمثل جزءا من المجال الخاص، ولا تأثير له على المجال العام، أي لا يفرض على المجال العام قيما يلتزم بها الجميع، ولا يمنع من المجال العام قيما علمانية يلتزم بها الجميع فعلا. وبهذا المعنى نتصور أن الدولة الإسلامية في التعريف البسيط، والعميق في الوقت نفسه، هي الدولة التي تحمي القيم الإسلامية في المجال العام، فيصبح المجال العام منظما من خلال القيم الإسلامية. والجدل الدائر بين العلمانية والإسلامية، هو جدل حول القيم الحاكمة للمجال العام. ولكن بعض العلمانيين يصور المسألة، وكأنها سيادة لقواعد معينة في المجال السياسي، دون أن يكون لذلك علاقة بالمجتمع، وبالتالي يصبح من الممكن أن يكون المجتمع متدينا والنظام السياسي علمانيا. والبعض الآخر يصور الأمر بأنه التزام بالتطور السياسي، والذي وصل إلى الديمقراطية والدولة الحديثة، كنتاج نهائي حالي له. ومعنى هذا أن الالتزام بهذا التطور السياسي يلزمنا بالدولة الحديثة كما جاءت في التجربة الغربية، ولكن يبقى السؤال عن هذه الدولة، فهل سوف تحمي قيم العلمانية كما في المجتمعات الغربية، أو ستحمي القيم الإسلامية؟
بهذا نرى أن المشكل الأساسي ليس في الأساليب، فإذا أخذنا الديمقراطية والدولة الحديثة بوصفها أساليب للحكم والنظام السياسي، وجعلناها تحمي قيمنا الدينية والحضارية العليا، وتؤسس عليها المجال العام، تحقق لنا نموذج يعبر عن الأمة ويلتزم بمقدساتها، أما إذا جعلنا الدولة الحديثة مصدرا لقيم المجال العام، وبالتالي تفرض قيمها المستمدة من التجربة الغربية على مجتمعاتنا، تحت دعوى إمكانية فصل المجال العام السياسي عن المجال العام الاجتماعي، فإننا بهذا نكون قد وقعنا في عملية تغريب حقيقية. لهذا يصبح سبيلنا لتطوير النظام السياسي، هو الأخذ بالديمقراطية والدولة الحديثة كأساليب، ورفض كل فكرة عن حياد النظام السياسي، أو فصل المجال السياسي عن الاجتماعي، أو علمنة النظام السياسي. فكل علمنة للنظام السياسي، تعني أن تقوم الدولة بحماية القيم العلمانية في المجال العام، ولا تحمي قيم الأمة، وهذا طريق التغريب.