المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عبد السلام محمد عارف


am.sc59
02-Mar-2008, 06:56 AM
عبد السلام محمد عارف.. كما رأيته (الحلقة السابعة)
الرئيسان عبد الناصر وعبد السلام يوقعان اتفاقية التنسيق السياسي بين مصر والعراق كخطوة أولي لوحدة البلدين
تأليف الدكتور صبحي ناظم توفيق عرض وتلخيص: هارون محمد

yesterday's story
http://montada.alwasatparty.com/imgcache/2440.imgcache.jpg
مقدمة: عبد السلام محمد عارف.. ضابط عراقي عربي، دخل التاريخ من أوسع أبوابه في الرابع عشر من تموز (يوليو) 1958 عندما قاد اللواء العشرين من جلولاء وهو آمر فوج ويحمل رتبة عقيد ركن، وفجر ثورة في العراق، توجت نضالات وتضحيات العراقيين ضد الاستعمار والقوي الرجعية وسياسات الأحلاف والمعاهدات التي كبلت العراق وعزلته عن أمته العربية،
وشكلت علامة مضيئة علي طريق التحرر والانطلاق نحو آفاق التقدم والتنمية الوطنية والوحدة العربية، لذلك ليس غريبا ان تقترن ثورة تموز (يوليو) باسم هذا الرجل الذي ضرب أروع الدلالات في الإيثار الوطني والالتزام الاخلاقي، عندما تنحي عن موقعه الفعلي كقائد للثورة ومنفذها الاول الي زميله ورفيقه الزعيم الركن (العميد) عبد الكريم قاسم آمر اللواء التاسع عشر، وفاء منه لكلمة شرف واتفاق اخوة وقسم علي التعاضد والتعاون بما يخدم العراق والأمة العربية، علما بأن الاخير الذي وصل الي بغداد بعد نجاح الثورة بخمس ساعات واحتل مكانه في وزارة الدفاع كرئيس للوزراء وقائد عام للقوات المسلحة ووزير للدفاع، لم يقابل صنيع عبد السلام وفروسيته، الا بالجحود والتعالي، الامر الذي أدي الي انتكاسة الثورة وانحرافها عن الأهداف الوطنية والقومية التي قامت من أجلها، واعتقال مفجر الثورة ومحاكمته وسجنه وإصدار حكم باعدامه في سياق عملية كيدية للانتقام من دوره البطولي في انبثاق الثورة ونجاحها.
عبد السلام عارف رحل الي جوار ربه، نظيف اليد والجيب والوجدان، لم يترك لبناته وأولاده أرصدة وعقارات وممتلكات، ولعلها من المصادفات الجميلة ان يصدر كتاب يؤرخ لجانب من حياة الرئيس الراحل عبد السلام عارف وفي هذا الزمن الذي صار فيه العراق يرزح تحت الاحتلال الامريكي ويحكم من زمر طائفية وعرقية معادية لتاريخ العراق وتراثه الوطني وعروبته، وأجمل ما في الامر ان صاحب الكتاب أكاديمي عراقي ومن القومية التركمانية، ليس محسوبا علي حزب أو جماعة سياسية معينة، بدأ حياته عسكريا وقادته وظيفته ليكون قريبا من رئيس الجمهورية مسؤولا عن حماية داره وضابطا في الحرس الجمهوري، فكتب مشاهداته وانطباعاته بتجرد وحيادية، مدفوعا بموضوعية شديدة ووطنية مخلصة، بعيدا عن المبالغات واصطناع الحوادث والروايات. لقد سرد الدكتور صبحي ناظم توفيق أحداثا عايشها، أو كان قريبا منها أو عارفا ببعض تفاصيلها، وقدمها الي قراء كتابه كما جرت بدون تزويق ومغالاة، وهو جهد يشكر عليه، ومبادرة تستحق الثناء. وفيما يلي الحلقة السابعة من اجزاء موسعة من الكتاب.

am.sc59
02-Mar-2008, 06:56 AM
ميثاق 17 نيسان 1963

لم يكن المشير الركن عبد السلام محمد عارف إثر نجاح ثورة 14 رمضان ـ 8 شباط (فبراير) 1963 سوي شخصية مهمة استثمرها حزب البعث في السيطرة علي مقاليد الحكم في العراق، نظراً للشعبية التي اكتسبها الرجل المعروف بشجاعته وخلافاته مع الزعيم عبد الكريم قاسم ووقوفه امام المحكمة الخاصة وصدور حكم باعدامه وبقائه مسجوناً لفترة غير قصيرة، يضاف الي ذلك شعور عام لدي الكثير من العراقيين بأن لولا عبد السلام لما حصلت ثورة 14 تموز (يوليو) 1958، ولم يكن موقعا رئيس الجمهورية والقائد العام للقوات المسلحة اللذان اسندا اليه في فترة شباط (فبراير) 1963 سوي منصبين فخريين، لذلك لم يُبد عبد السلام دوراً أو حراكاً مؤثراً في التخطيط لميثاق 17 نيسان (ابريل) 1963 بين الجمهـــورية العربية المتحدة والعراق وسورية أو عند إبرامه، بل ان رئيس الوزراء أحمد حسن البكر وأعضاء وزارته وقادة حزب البعث هم الذين شاركوا في جميع المفاوضات التي سبقت اعلان الميثاق ووقعوا عليه.
كانت المفاوضات التي سبقت اعلان الميثاق سريعة، وبدا قادة البعث الحاكم في العراق وسورية وكأنهم علي عجلة في صدوره، ويبدو أن النيات لم تكن صافية بشكل عام بين القيادتين السياسيتين في بغداد ودمشق حيال القاهرة، بحيث لم تمض سوي أيام علي إعلان الميثاق حتي طفت علي السطح بوادر خلافات عميقة تسببت في أن تغــدو بنود الميثاق المسطرة بعبارات متقنة وطموحة، مجرد حبر علي ورق، وظهرت في الصحف اليومية العراقية والسورية الرسمية وشبه الرسمية من جهة، والمصرية من جهة اخري، مقالات ودراسات تتضمن تهجمات متقابلة، قبل أن تتصاعد سريعاً نحو بيانات رسمية وتصريحات شائنة أتت علي ألسنة كبار المسؤولين والقادة، كل يقذف باللائمة علي الطرف الاخر، حتي حلّ مساء 22 من تموز (يوليو) 1963 عندما ألقي الرئيس جمال عبد الناصر بعد نفاد صبره خطاباً بمناسبة الذكري الحادية عشرة لثورة 23 تموز (يوليو) 1952 كانت عباراته بمثابة الإجهاز المبرم علي ذلك الميثاق الذي لم يطل عمره سوي ثلاثة أشهر.

am.sc59
02-Mar-2008, 06:57 AM
18 تشرين الثاني 1963

عاش العراق ظرفاً عصيباً لا يحسد عليه في عام 1963، سادته خلافات وصراعات علي السلطة بين قادة حزب البعث الحاكم، فتفاقمت الاوضاع الامنية بشكل ينذر باشتعال حرب حزبية خلال النصف الاول من تشرين الثاني (نوفمبر) 1963 مما حدا بالرئيس عبد السلام عارف مؤيديه الي اشراك وحدات من الجيش العراقي لتحسم الامور وفق خطة سريعة ومتقنة تم تنفيذها مع فجر الاثنين، الثامن عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) 1963، إذ سيطرت وحدات من القوات المسلحة العراقية علي بغداد لتلغي وجود الحرس القومي (البعثي) وتستحوذ علي مقاليد الحكم في عموم البلاد، وينبثق من جديد مجلس وطني لقيادة الثورة برئاسة عبد السلام عارف وتشكيل حكومة جديدة اُنيطت رئاستها بالفريق طاهر يحيي، كان من أهدافها المعلنة تحقيق الوحدة مع القاهرة.

اتفاقية التنسيق السياسي في 26 من ايار 1964

التفّت العناصر القومية، وخصوصاً ـ الضباط القوميين ـ الذين كان لهم الدور الاساس في إنجاح ثورة 18 تشرين الثاني (نوفمبر) حول عبد السلام عارف بالدعوة الي تحقيق الوحدة مع مصر عبد الناصر التي طالما تمنوها، فتوصلت الوفود الثنائية ذات المستويات الرفيعة المتبادلة بين القطرين لأشهر عديدة من عام 1964 الي تحقيق اُولي وأهم الخطوات العملية للسير نحو الوحدة المنشودة، متمثلة بالتوقيع علي (اتفاقية التنسيق السياسي) التي اُبرمت بين العراق والجمهورية العربية المتحدة في القاهرة، ووقعها الرئيسان جمال عبد الناصر وعبد السلام محمد عارف، وأهم نصوصها ما يأتي:
أولاً: يشكــل (مجلس رئاسة مشترك) لكل من الجمهورية العربية المتحدة والجمهورية العراقية، من رئيسي الدولتين وعدد من الاعضاء.
ثانياً: يجتمع المجلس مرة كل ثلاثة أشهر، وفي الحالات الضرورية، باتفاق رئيسي الجمهوريتين.
ثالثاً: تكون القاهرة مقراً للمجلس ويجوز دعوته للانعقاد في مكان آخر بناءً علي اتفاق الرئيسين.
رابعاً: تعتبر قرارات المجلس إلزامية ونافذة بمجرد التصديق عليها، عدا تلك التي تحتاج الي استصدار قانون تنص عليه النظم الدستورية في كل من البلدين (1).

am.sc59
02-Mar-2008, 06:58 AM
مجلس الرئاسة المشترك

نصت اتفاقية التنسيق السياسي الموقعة بين العراق والجمهورية العربية المتحدة في السادس والعشرين من ايار (مايو) 1964 ضمن اُمور اساسية اخري ذكرناها آنفاً علي تشكيل هيئة عليا للعمل من أجل إقامة الوحدة بين البلدين سمي (مجلس الرئاسة المشترك)، الهدف منه دراسة وتنفيذ الخطوات التي تؤدي الي تحقيق وحدتهما، ويرأسه رئيسا البلدين، ويتألف من ثلاثة أعضاء متفرغين من كلا الجانبين، يضاف اليهم ثلاثة أعضاء آخرون غير متفرغين من الحكومتين، وقد تمت تسمية الاعضاء المتفرغين، وهم السادة: ناجي طالب وأديب الجادر وعبد الستار علي الحسين من الجانب العراقي، وشعراوي جمعة وكمال الدين الحناوي وعلي سيد علي من الجانب المصري، فيما نسب السيد فتحي الديب من مصر أميناً عاماً للمجلس. وتضمن مشروع اللائحة الداخلية للمجلس فقرات وعبارات كانت طموحة للغاية، وهي إن لم تكن مستحيلة التنفيذ، فقد كانت صعبة التطبيق من جميع النواحي العملية والواقعية، حيث أشارت الي أن مجلس الرئاسة المشترك يختص بما يأتي:
أولاً: دراسة وتنفيذ الخطوات اللازمة لإقامة الوحدة بين البلدين.
ثانيا: تخطيط وتنسيق سياسة البلدين في المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وفي ميدان الإعلام.
ثالثاً: تحقيق الوحدة الفكرية بين شعبي الجمهورية العربية المتحدة والعراق عن طريق التنظيمين الشعبيين في البلدين (2) والعمل علي توحيد التنظيمين في المستقبل.

am.sc59
02-Mar-2008, 06:58 AM
موقف عبد السلام عارف

إلا ان تلك الدراسات والتقارير لم تُبحث ولم تُناقش سواء علي صعيد اللجان التي لم تكن قد تشكّلت اصلاً، أو علي صعيد مجلس الرئاسة المشترك نفسه خلال اجتماعه الرسمي الاول الذي انعقد في مدينة الاسكندرية في الرابع من ايلول (سبتمبر) 1964، وذلك بُعيد انتهاء اجتماعات مؤتمر القمة العربي الثاني مباشرة، إذ بدأ الرئيس عبد السلام عارف حديثه الموجّه نحو الرئيس جمال عبد الناصر، رافعاً بين يديه تلك الدراسات المفتوحة أوراقها امامه، فأغلقها قبل ان يقول:
سيادة الرئيس.. انا لا أريد دراسات وأوراقا ومقترحات، انا اريد الوحدة. وبذلك ذهبت جهود وعمل الاعضاء المتفرغين لمجلس الرئاسة المشترك، والاموال التي صرفت عليهم خلال الاشهر الثلاثة هباءً بعبارة واحدة أطلقها الرئيس عبد السلام عارف، وهو الأمر الذي انزعج منه أولئك الأعضاء كثيرا.

موقف الرئيس عبد الناصر

استدرك الرئيس عبد الناصر الموقف المفاجئ ليطرح سؤالاً محدداً، طلب من خلاله ان يبدي كل من أعضاء الجانب المصري رأيه بموضوع الوحدة بين القطرين، فظهر ان السيد أمين هويدي سفير (ج. ع. م) ببغداد والعضو غير المتفرغ في مجلس الرئاسة المشترك ضد قيام الوحدة مع العراق قبل أن تُحلّ جميع مشاكل البلد القائمة في حينه ويقدم علي تنفيذ الوحدة، فيما بدا المشير عبد الحكيم عامر النائب الاول للرئيس عبد الناصر والسيد شعراوي جمعة، تماماً مع فكرة الوحدة، اما الآخرون فقد داروا حول الموضوع من قريب ومن بعيد، دون ان يصرحوا برأي واضح وجازم، حينها تدخل الرئيس عبد الناصر ليقول: إنه مجازف، وهو معروف بالمجازفة، وعلي استعداد ان يركب البحر مجازفاً، ولكن تلك المجازفة يجب ان تكون محسوبة وقد قالها بالعبارة الانكليزية (calculated risk) وهنا بادر المشير عبد الحكيم عامر الي القول: ان الوحدة هي بمثابة معركة طويلة ومصيرية ينبغي أن نخوضها، لذا يجب أن تكون لها خطة متقنة، ولما كانت أية خطة بحاجة الي تقدير موقف، وهو ليس مستعداً لإجراء ذلك التقدير بمفرده وشخصه، لذلك فإن الواجب يقتضي مشاركة شخص آخر مسؤول من الجانب العراقي. ويقول السيد صبحي عبد الحميد في هذا المجال قائلاً:
وهنا ارتأي الرئيس عبد الناصر أن أبقي في القاهرة لأمثل الجانب العراقي في اجراء تقدير الموقف بالمشاركة مع عبد الحكيم عامر ولكن الرئيس عبد السلام عارف عارض ذلك لحاجته لي في الإعداد لمؤتمر (قمة دول عدم الانحياز) وكان علي وشك الانعقاد في القاهرة بعد اقل من شهر من ذلك اليوم، وعرض علي الرئيس عبد الناصر ان يشترك الاعضاء العراقيون الثلاثة المتفرغون في مجلس الرئاسة المشترك بإجرائه ما داموا هم أساساً يقيمون في مصر وقد تم الاتفاق علي ذلك، ولما انفض الاجتماع علي النحو الذي ذكرناه، قال الرئيس عبد الناصر للسيد صبحي عبد الحميد علي إنفراد ان الرئيس عبد السلام عارف غير جاد في الوحدة، لذلك فإنه يتمني ان يظل العراق دون وحدة مع مصر، ولكن من الضروري ان يبقي قوياً ليتعاون معنا ويواصل حلّ مشاكله القائمة، اذ ان وحدة الهدف بين البلدين الشقيقين وتضامنهما في هذه المرحلة يعتبران اهم من الوحدة نفسها.
ولكن ومن الجانب الاخر للموضوع نفسه، فإن تقدير الموقف الذي اقترحه المشير عبد الحكيم عامر لم يجر مطلقاً، ولم يُستدع أي عضو عراقي متفرغ مقيم في القاهرة من اعضاء مجلس الرئاسة المشترك للمساهمة فيه. ولكن قبيل انعقاد مؤتمر )قمة دول عدم الانحياز) في القاهرة خلال شهر تشرين الاول )أكتوبر) 1964 دعا المشير عامر السيدين صبحي عبد الحميد وزير الخارجية وعبد الكريم فرحان وزير الثقافة والارشاد، والمتواجدين في القاهرة الي مكتبه ليقول لهما: لا تضغطا علي الرئيس عبد السلام، فلقد توصلنا الي ان تحقيق الوحدة بين دولتينا غير وارد في الوقت الحاضر، ولذلك سوف نقترح اسلوباً افضل من مجلس الرئاسة المشترك، ولم يكن ذلك (الاسلوب الافضل) سوي تشكيل (القيادة السياسية الموحدة) للبلدين، فقد جلب الرئيس عبد السلام عارف مسودة اتفاقيتها عند عودته من القاهرة في السادس عشر من تشرين الثاني (اكتوبر) 1964 اذ أقرّها المجلس الوطني لقيادة الثورة بإجماع الاصوات خلال اجتماع خاص عُقد لمناقشة بنودها في القصر الجمهوري ببغداد في التاسع عشر من الشهر نفسه، كما نشرت ذلك صحيفة (الجمهورية) الرسمية في العشرين من الشهر ذاته. وعندما سمع الاعضاء العراقيون المتفرغون في مجلس الرئاسة المشترك ان مجلسهم قد اُلغي عملياً، تركوا القاهرة عائدين الي بغداد، كما ابلغني السيد ناجي طالب في احد لقاءاتي معه.

am.sc59
02-Mar-2008, 06:59 AM
القيادة السياسية الموحدة

في العشرين من كانون الاول (ديسمبر) 1964 اُذيع بيان رسمي مشترك في بغداد والقاهرة وهو يحمل نبأ مولد القيادة السياسية الموحدة للجمهورية العربية المتحدة والجمهورية العراقية لتمّثل اعلي سلطة سياسية لدي البلدين الشقيقين، وقد ضمّت كلاً من السادة: جمال عبد الناصر رئيس الجمهورية العربية المتحدة، عبد السلام محمد عارف رئيس الجمهورية العراقية، المشير عبد الحكيم عامر النائب الاول للرئيس عبد الناصر، الفريق طاهر يحيي رئيس وزراء الجمهورية العراقية، زكريا محي الدين نائب رئيس الجمهورية العربية المتحدة، صبحي عبد الحميد وزير الداخلية العراقي، أنور السادات رئيس مجلس الامة في الجمهورية العربية، عبد الكريم فرحان وزير الثقافة والارشاد في العراقي، حسين الشافعي نائب رئيس الجمهورية العربية، عبد الستارعلي الحسين وزير العدل العراقي، حسن ابراهيم نائب رئيس الجمهورية العربية، أديب الجادر وزير الصناعة العراقي، علي صبري رئيس وزراء الجمهورية العربية المتحدة، ناجي طالب وزير خارجية العراق، د. نور الدين طرّاف ـ نائب رئيس وزراء (ج. ع. م)، د. عبد الحسن زلزلة وزير التخطيط العراقي، أحمد عبدُه الشرباصي نائب رئيس وزراء (ج. ع. م)، شكري صالح زكي وزير التربية العراقي، كمال الدين رفعت نائب رئيس وزراء (ج. ع. م) محسن حسين الحبيب وزير الدفاع العراقي، عباس رضوان نائب رئيس وزراء (ج. ع. م( عبد الرزاق محي الدين وزير الوحدة في العراق، د. عبد القادر حاتم نائب رئيس وزراء (ج. ع. م).
وعلي الرغم من تلك التسمية الرنانة (القيادة السياسية الموحدة) وتأليفها من رئيسي الدولتين وكبار المسؤولين التنفيذيين والتشريعيين، إن صحّ التعبير، فإنها ظلت ـ في الواقع ـ مجرد خطوة اعلامية من دون حراك عملي يُذكر طيلة حوالي خمسة أشهر من تأريخ تشكيلها، إذ لم يزُر أي من أعضائها الدولة المقابلة، ولم يصدر شي آخر بعد البيان المشترك يشير الي تنفيذ الخطوات العملية اللازمة لتحقيق الوحدة المزمعة، أو غيرها من الأمور.
ويلخص السيد ناجي طالب في حديث للمؤلف رأيه بصدد تشكيل كل من مجلس الرئاسة المشترك والقيادة السياسية الموحدة بما يأتي:
اولاً: ان مجلس الرئاسة المشترك كان قد تألف كجزء من اتفاقية (التنسيق السياسي) المبرمة بين العراق و(ج. ع. م) بتاريخ السادس والعشرين من ايار (مايو) 1964، وكانت مهمته دراسة وتنفيذ الخطوات اللازمة لإقامة وحدة متكاملة بين الدولتين، غير ان هذه الصيغة لم تكن مقبولة من وجهة نظر (الكتلة القومية) فحسب، بل هي في الاساس لم تكن غير وافية بالتزامات تحقيق الوحدة مع (ج. ع. م) في اقرب فرصة ممكنة، وفقاً لما هو مدرج بالمادة الاولي من الدستور العراقي المؤقت، ولذلك ظل قادة تلك الكتلة يضغطون باستمرار علي الرئيس عبد السلام عارف من أجل إقامة وحدة فورية او مبكرة، ولكن تلك الضغوط لم تتمخض إلا عن تحقيق اتفاق شكلي، وذلك باستبدال اتفاقية (التنسيق السياسي) باتفاقية (القيادة السياسية الموحدة) مضافاً اليها تحديد سقف زمني أمده )سنتان) لتحقيق حلم قيام وحدة دستورية بين العراق ومصر.
ثانياً: لم تكن عملية إقامة وحدة دستورية بين العراق و(ج. ع. م) بالمهمة السهلة والبسيطة التي يمكن إنجازها بين يوم وليلة ـ كما كان يعتقد البعض ـ بل انها عملية بناء ضخمة ومعقدة وطويلة، ولا سيما اذا ما وضعنا نصب عينينا البُعد الجغرافي بين القطرين والآثار النفسية التي خّيمت علي الأمة العربية يومذاك، إثر عملية الانفصال بين سورية ومصر منذ أواخر عام 1961 اضافة الي الاختلافات الواضحة بين العراق ومصر في الميادين السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية وغيرها.
ثالثاً: كانت فكرة تكوين (مجلس الرئاسة المشترك) وخطوة استبداله بعد بضعة اشهر بالقيادة السياسية الموحدة من بين محاولات قُصد بها القيام بخطوات ونشاطات وأعمال وإجراءات مشتركة قد تمّهد للوصول الي صيغة عملية لإقامة وحدة دستورية متوازنة وناجحة في إطار الممكن والمفيد.
ولكننا لو عُدنا الي نصوص اتفاقية تكوين القيادة المذكورة، وأمعنّا النظر في دراسة المهام والمسؤوليات التي اُوكلت اليها، فإننا نجد انها كانت ضخمة جداً وواسعة للغاية، وتستلزم استحداث اجهزة مقتدرة وتكوين تنظيمات ومؤسسات عظيمة وذات اختصاصات متنوعة ليكون بمقدارها اجراء دراسات وبحوث مختلفة ومفصلة لدي القطرين لخدمة المتطلبات العملية لدولة الوحدة من الناحية الفعلية، والقيام بأجراءات وخطوات عملية هائلة ينبغي الخوض فيها لتحقيق تلك الدراسات وتطبيق البحوث وتنفيذها.
رابعاً: ان الاجهزة والتشكيلات التي سمّيت ضمن الاتفاقية باللجان المشتركة لم تؤلف ابداً، لأن العملية الاساسية ـ ومنذ بداياتها ـ اصطدمت بصراعات وأحقاد داخل القيادة السياسية في الجانب العراقي، وتلك حالة لم تكن بالطبع تشجع علي إقامة الوحدة، ولا حتي مجرد بحثها أصلاً، كما أعتقد.
خامساً: ومما لا شك فيه، ان القيادة العراقية حتي وان كانت متحدة الآراء فعلاً، ومنسجمة في شخوصها وتوجهاتها ونواياها ورؤاها، فإن عملية اقامة الوحدة الدستورية كانت ـ ولا بد ـ ستستغرق وقتاً طويلاً جداً، وذلك بسبب الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي كان القطران يعيشانه: كلاهما علي انفراد. مع الاخذ بنظر الاعتبار واقع ما يسمي بـالجيوبولوتيك الذي يعني الاعتبارات السياسية والجغرافية والعسكرية الإقليمية والدولية، والتي آلت بعد أقل من ثلاث سنوات الي هزيمة العرب في حرب حزيران (يونيو) 1967.