am.sc59
14-Mar-2008, 08:24 AM
٨٠ عاما علي التأسيس الأول للإخوان المسلمين
بقلم د. عمرو الشوبكي ١٣/٣/٢٠٠٨ عاشت جماعة الإخوان المسلمين، عمراً مديداً بلغ هذا الأسبوع ٨٠ عاما، وعرفت حياة داخلية مليئة بالتنوع الفكري والتنظيمي، وشهدت كثيراً من الجدل داخلها وحولها، ودخلت في صدام قاس مع السلطة الملكية والناصرية، وواجهها نظام مبارك بقسوة أقل ، ولكنه في الوقت نفسه وعلي عكس من سبقوه لم يدمج أيا من قاداتها داخل مؤسسات الدولة الدينية والسياسية.
وامتلكت الجماعة مرجعية فكرية وسياسية مرنة، سمحت لها أن تمتلك تصوراً شاملاً وعاماً للإسلام يسمح للإخوان أن يكونوا سياسيين إذا أرادوا، وأن يكونوا دعاة فقط للأخلاق الحميدة إذا أحبوا، وأن يكونوا شيوخاً علي منابر المساجد أو نواباً تحت قبة البرلمان، وأن يكونوا صوفيين وأن يكونوا أحيانا ثواراً، وأن يكون بين قادتهم القاضي المحافظ حسن الهضيبي والمناضل الراديكالي سيد قطب.
هذا العمر المديد للجماعة ظل متمتعاً بسمات خاصة استمرت مع الزمن، وبقيت عائقاً أمام انتقالها من مرحلة التأسيس الأول «المعدل» إلي التأسيس الثاني، وتحديداً استمرار هذا التداخل بين النشاط الديني الدعوي مع النشاط الحزبي والسياسي، بصورة أدت إلي ارتباك واضح في حركتها السياسية.
واستمرت الجماعة في طرح لغة عامة تبتعد عن الدخول في التفاصيل، كما حدث في الانتخابات التشريعية الأخيرة، حين طرحت شعاراً عاماً وفضفاضاً «الإسلام هو الحل»، أو مع برنامج حزب الإخوان الذي استبعد بشجاعة يحسد عليها ٦٠% من أبناء الشعب المصري من حق الترشح لمنصب رئيس الجمهورية في هدم واضح لفكرة المواطنة.
ورغم النجاح الذي حققته ثنائيات الإخوان في تقديم بنية تنظيمية مغرية، يمكن أن تنال رضاء العناصر المتشددة والإصلاحية علي السواء، وتلك ذات التكوين الصوفي والثوري، وتستقطب عناصر لخدمة الدعوة والدين مع من يمارس العمل السياسي، وانتمي إليها من يدعو إلي مكارم الأخلاق، وينشط فقط في المجال الاجتماعي، مع مَنْ سعي لإسقاط النظم الحاكمة بالقوة منذ أكثر من نصف قرن، قبل أن تطوي الجماعة هذه المرحلة فكرياً وسياسياً.
وعلي الرغم من نجاح «بوتقة» الإخوان في جمع كل هذه الثنائيات داخل بناء تنظيمي وخطاب سياسي واحد في لحظات الهدوء والسكينة، كما حدث طوال الفترة من ١٩٢٨ حتي ١٩٤٨، أي علي مدار ما يقرب من عقدين من الزمان، إلا أنه مع الظروف السياسية الصعبة والمعقدة، ارتبك تنظيم الإخوان وعجز عن الأداء بالكفاءة السابقة، وخاصة في مراحل المواجهة مع السلطة، حيث عجزت تلك الثنائيات «التوفيقية» عن أن تحافظ علي وحدة الجماعة وتماسكها.
وبدا حرص الإخوان علي استمرار التداخل بين الحيز الديني والسياسي وكأنه نوع من «الحماية» الإخوانية للذات، بتصوير أي ملاحقة لهم، وكأنها، أحيانا، اعتداء علي الإسلام، و في أحيان أخري اعتداء علي المسلمين المتدينين، «بتوع ربنا»، خاصة أن آلة التجنيد الإخوانية لاتزال تعمل علي أساس الدعوة إلي الدين والسياسة معا،
فلا يمكن أن يقبل مواطن مسيحي كعضو داخل الإخوان المسلمين، لأن هناك معايير وشروطا دينية لانضمام أي مواطن إلي الجماعة، كما لا يمكن أيضا أن يدخلها مواطن مسلم لا يمارس الشعائر الإسلامية، ولايلتزم بالقواعد الدينية كما حددتها الجماعة، وهي كلها شروط محمودة ومقبولة في جماعة دينية وليس في حزب سياسي.
وقد حافظت الجماعة طوال عمرها المديد علي كونها بامتياز جماعة معارضة وليست جماعة حكم، بكل ما يمثله ذلك من تحديات ومعان، فعنصر الإخوان الذي رباه الإمام حسن البنا علي الزهد وعلي المبادئ والقيم الدينية، من الوارد أن يبقي في ظلال هذه المبادئ، التي تمثل رادعاً أخلاقيا ذاتياً للأفراد أو لعموم الجماعة طوال فترة البقاء خارج السلطة،
ولكنها في كل الأحوال لن تؤثر بنفس الفاعلية في حال إذا وصلت الجماعة إلي السلطة بكل ما تمثله من «غواية» وبريق وسطوة، والتي لا يمكن أن يكون للعامل الديني أو الأخلاقي دور في الحفاظ علي نزاهة الحكام، إنما في وجود نظام ديمقراطي قادر علي القيام برقابة قانونية ودستورية علي عمل السلطة القائمة.
ولذا يمكن أن نقول إن التأسيس الأول للجماعة شيد علي أساس أنها جماعة فعالة ومؤثرة خارج السلطة، ولكن الثقافة السياسية السائدة داخلها لا يمكنها بمفردها أن تصلح في إدارة الحكم وفهم طبيعة التحديات الدولية والإقليمية في حال إذا وصلت إلي السلطة.
وعليه تظل «الإشكالية الكبري» لإخوان التأسيس الأول هي عدم نجاحهم ( وربما عدم رغبتهم ) في الفصل بين الحيز الديني والسياسي، بصورة تعتبرهم تنظيماً سياسياً مدنياً يسعي بشكل سلمي للوصول إلي السلطة وفق القواعد الديمقراطية، وليس جماعة هدفها إصلاح الناس ودعوتهم إلي التمسك بتعاليم الإسلام ، تتصور أنه يمكن الوصول إلي السلطة عبر برنامج أخلاقي لهداية الناس، حتي لو استفادت من المؤسسات المدنية الحديثة كالبرلمان والنقابات لتحقيق هذا الهدف الديني والأخلاقي.
ويبدو أن هذا النقد الذي كثيراً ما وجه إلي الجماعة حول غياب البرنامج السياسي التفصيلي، بدا حاميا لها من الانشقاق، علي اعتبار أن الدخول في التفاصيل سيعني مزيداً من الخلافات وربما الانشقاقات.
ولذا سنجد أن جيل الوسط الأكثر انفتاحاً إجمالاً من الجيل القديم يعرف جيداً أنه ليس هناك مستقبل لأطروحاته السياسية خارج الجماعة، فليس هناك أي فرصة لقبول حزب سياسي إسلامي مدني وديمقراطي، كما أن الأحزاب السياسية الشرعية تعاني من الانهيار الداخلي والعزلة شبه الكاملة عن الجماهير.
والمؤكد أن هناك ثمناً كبيراً ستدفعه الجماعة من وحدتها وطريقة عملها، إذا سمح لها بحزب سياسي مدني، وبقيت الجماعة مثل مئات الجماعات الدينية الدعوية الإسلامية والمسيحية تدعو المجتمع وليس فقط عناصر الإخوان للالتزام بتعاليم الدين وبقيمه الثقافية والأخلاقية.
بالمقابل هناك ثمن ستدفعه السلطة، في حال إذا قبلت بحزب سياسي مدني للإخوان المسلمين يحترم الدستور والنظام الجمهوري، ويؤمن نظرياً وعملياً بالمواطنة، لأن هذا سيتطلب حكومة قوية تضم سياسيين وتنجح بالانتخاب الحر الديمقراطي، وقادرة علي منافسة أي تنظيم سياسي جاد سواء الإخوان أو غيرهم.
لا يمكن لمصر أن تبني نظاماً ديمقراطياً إلا إذا تعاملت بشكل سياسي مع ملف حركات الإسلام السياسي السلمي، بل إن ما يعتبره البعض «فزاعة» لتعطيل عملية الإصلاح السياسي والدستوري، يعتبر الشرط الوحيد لنجاحها.
بقلم د. عمرو الشوبكي ١٣/٣/٢٠٠٨ عاشت جماعة الإخوان المسلمين، عمراً مديداً بلغ هذا الأسبوع ٨٠ عاما، وعرفت حياة داخلية مليئة بالتنوع الفكري والتنظيمي، وشهدت كثيراً من الجدل داخلها وحولها، ودخلت في صدام قاس مع السلطة الملكية والناصرية، وواجهها نظام مبارك بقسوة أقل ، ولكنه في الوقت نفسه وعلي عكس من سبقوه لم يدمج أيا من قاداتها داخل مؤسسات الدولة الدينية والسياسية.
وامتلكت الجماعة مرجعية فكرية وسياسية مرنة، سمحت لها أن تمتلك تصوراً شاملاً وعاماً للإسلام يسمح للإخوان أن يكونوا سياسيين إذا أرادوا، وأن يكونوا دعاة فقط للأخلاق الحميدة إذا أحبوا، وأن يكونوا شيوخاً علي منابر المساجد أو نواباً تحت قبة البرلمان، وأن يكونوا صوفيين وأن يكونوا أحيانا ثواراً، وأن يكون بين قادتهم القاضي المحافظ حسن الهضيبي والمناضل الراديكالي سيد قطب.
هذا العمر المديد للجماعة ظل متمتعاً بسمات خاصة استمرت مع الزمن، وبقيت عائقاً أمام انتقالها من مرحلة التأسيس الأول «المعدل» إلي التأسيس الثاني، وتحديداً استمرار هذا التداخل بين النشاط الديني الدعوي مع النشاط الحزبي والسياسي، بصورة أدت إلي ارتباك واضح في حركتها السياسية.
واستمرت الجماعة في طرح لغة عامة تبتعد عن الدخول في التفاصيل، كما حدث في الانتخابات التشريعية الأخيرة، حين طرحت شعاراً عاماً وفضفاضاً «الإسلام هو الحل»، أو مع برنامج حزب الإخوان الذي استبعد بشجاعة يحسد عليها ٦٠% من أبناء الشعب المصري من حق الترشح لمنصب رئيس الجمهورية في هدم واضح لفكرة المواطنة.
ورغم النجاح الذي حققته ثنائيات الإخوان في تقديم بنية تنظيمية مغرية، يمكن أن تنال رضاء العناصر المتشددة والإصلاحية علي السواء، وتلك ذات التكوين الصوفي والثوري، وتستقطب عناصر لخدمة الدعوة والدين مع من يمارس العمل السياسي، وانتمي إليها من يدعو إلي مكارم الأخلاق، وينشط فقط في المجال الاجتماعي، مع مَنْ سعي لإسقاط النظم الحاكمة بالقوة منذ أكثر من نصف قرن، قبل أن تطوي الجماعة هذه المرحلة فكرياً وسياسياً.
وعلي الرغم من نجاح «بوتقة» الإخوان في جمع كل هذه الثنائيات داخل بناء تنظيمي وخطاب سياسي واحد في لحظات الهدوء والسكينة، كما حدث طوال الفترة من ١٩٢٨ حتي ١٩٤٨، أي علي مدار ما يقرب من عقدين من الزمان، إلا أنه مع الظروف السياسية الصعبة والمعقدة، ارتبك تنظيم الإخوان وعجز عن الأداء بالكفاءة السابقة، وخاصة في مراحل المواجهة مع السلطة، حيث عجزت تلك الثنائيات «التوفيقية» عن أن تحافظ علي وحدة الجماعة وتماسكها.
وبدا حرص الإخوان علي استمرار التداخل بين الحيز الديني والسياسي وكأنه نوع من «الحماية» الإخوانية للذات، بتصوير أي ملاحقة لهم، وكأنها، أحيانا، اعتداء علي الإسلام، و في أحيان أخري اعتداء علي المسلمين المتدينين، «بتوع ربنا»، خاصة أن آلة التجنيد الإخوانية لاتزال تعمل علي أساس الدعوة إلي الدين والسياسة معا،
فلا يمكن أن يقبل مواطن مسيحي كعضو داخل الإخوان المسلمين، لأن هناك معايير وشروطا دينية لانضمام أي مواطن إلي الجماعة، كما لا يمكن أيضا أن يدخلها مواطن مسلم لا يمارس الشعائر الإسلامية، ولايلتزم بالقواعد الدينية كما حددتها الجماعة، وهي كلها شروط محمودة ومقبولة في جماعة دينية وليس في حزب سياسي.
وقد حافظت الجماعة طوال عمرها المديد علي كونها بامتياز جماعة معارضة وليست جماعة حكم، بكل ما يمثله ذلك من تحديات ومعان، فعنصر الإخوان الذي رباه الإمام حسن البنا علي الزهد وعلي المبادئ والقيم الدينية، من الوارد أن يبقي في ظلال هذه المبادئ، التي تمثل رادعاً أخلاقيا ذاتياً للأفراد أو لعموم الجماعة طوال فترة البقاء خارج السلطة،
ولكنها في كل الأحوال لن تؤثر بنفس الفاعلية في حال إذا وصلت الجماعة إلي السلطة بكل ما تمثله من «غواية» وبريق وسطوة، والتي لا يمكن أن يكون للعامل الديني أو الأخلاقي دور في الحفاظ علي نزاهة الحكام، إنما في وجود نظام ديمقراطي قادر علي القيام برقابة قانونية ودستورية علي عمل السلطة القائمة.
ولذا يمكن أن نقول إن التأسيس الأول للجماعة شيد علي أساس أنها جماعة فعالة ومؤثرة خارج السلطة، ولكن الثقافة السياسية السائدة داخلها لا يمكنها بمفردها أن تصلح في إدارة الحكم وفهم طبيعة التحديات الدولية والإقليمية في حال إذا وصلت إلي السلطة.
وعليه تظل «الإشكالية الكبري» لإخوان التأسيس الأول هي عدم نجاحهم ( وربما عدم رغبتهم ) في الفصل بين الحيز الديني والسياسي، بصورة تعتبرهم تنظيماً سياسياً مدنياً يسعي بشكل سلمي للوصول إلي السلطة وفق القواعد الديمقراطية، وليس جماعة هدفها إصلاح الناس ودعوتهم إلي التمسك بتعاليم الإسلام ، تتصور أنه يمكن الوصول إلي السلطة عبر برنامج أخلاقي لهداية الناس، حتي لو استفادت من المؤسسات المدنية الحديثة كالبرلمان والنقابات لتحقيق هذا الهدف الديني والأخلاقي.
ويبدو أن هذا النقد الذي كثيراً ما وجه إلي الجماعة حول غياب البرنامج السياسي التفصيلي، بدا حاميا لها من الانشقاق، علي اعتبار أن الدخول في التفاصيل سيعني مزيداً من الخلافات وربما الانشقاقات.
ولذا سنجد أن جيل الوسط الأكثر انفتاحاً إجمالاً من الجيل القديم يعرف جيداً أنه ليس هناك مستقبل لأطروحاته السياسية خارج الجماعة، فليس هناك أي فرصة لقبول حزب سياسي إسلامي مدني وديمقراطي، كما أن الأحزاب السياسية الشرعية تعاني من الانهيار الداخلي والعزلة شبه الكاملة عن الجماهير.
والمؤكد أن هناك ثمناً كبيراً ستدفعه الجماعة من وحدتها وطريقة عملها، إذا سمح لها بحزب سياسي مدني، وبقيت الجماعة مثل مئات الجماعات الدينية الدعوية الإسلامية والمسيحية تدعو المجتمع وليس فقط عناصر الإخوان للالتزام بتعاليم الدين وبقيمه الثقافية والأخلاقية.
بالمقابل هناك ثمن ستدفعه السلطة، في حال إذا قبلت بحزب سياسي مدني للإخوان المسلمين يحترم الدستور والنظام الجمهوري، ويؤمن نظرياً وعملياً بالمواطنة، لأن هذا سيتطلب حكومة قوية تضم سياسيين وتنجح بالانتخاب الحر الديمقراطي، وقادرة علي منافسة أي تنظيم سياسي جاد سواء الإخوان أو غيرهم.
لا يمكن لمصر أن تبني نظاماً ديمقراطياً إلا إذا تعاملت بشكل سياسي مع ملف حركات الإسلام السياسي السلمي، بل إن ما يعتبره البعض «فزاعة» لتعطيل عملية الإصلاح السياسي والدستوري، يعتبر الشرط الوحيد لنجاحها.