المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : معوقات الإصلاح في مصر


علي طاحون
19-Dec-2006, 02:07 PM
معوقات الإصلاح في مصر بعد انقشاع سحب الانتخابات الرئاسية والانتخابات البرلمانية وتشكيل الحكومة الجديدة في مصر يستحق الأمر وقفة تأمل نحاول فيها إلقاء نظرة على ما حدث والإجابة على السؤال الكبير هل من أمل في ضوء هذه التطورات الجديدة في البدء في عمليات إصلاح حقيقي في مصر ؟ إطلالة على الوضع الاقتصادي : يعاني الاقتصاد المصري من مشاكل كبيرة لعل من أهمها : (1) مشكلة البطالة: حسب التقديرات الحكومية فإن نسبة البطالة في مصر لا تزيد عن 10% من مجموع عدد السكان القادرين على العمل ( سوق العمل ) وهؤلاء تقدرهم الحكومة بحوالي 26 مليون مواطن وبالتالي فإن عدد العاطلين وفقاً لهذه التقديرات لا يزيد عن 5ر2 مليون فرد تقريباً أما حسب تقديرات العديد من الدراسات التي تمت في مصر وحسب تقديرات معظم المؤسسات الدولية فإن حجم البطالة الحقيقي يصل إلى ثلاثة أضعاف هذا الرقم حيث يصل العدد الحقيقي للعاطلين إلى حوالي 7 مليون فرد على الأقل كما أننا نعتقـد أيضاً أن حجم سوق العمـــل في مصر يصـل إلى حوالي 30 مليـون وليس 26 مليون كما تقول الحكومة . ومشكلة البطالة من أخطر المشاكل التي تواجهها مصر حالياً وهي بمثابة قنبلة اجتماعية موقوتة تراكمت ووصلت إلى هذا الحد بسبب السياسات الاقتصادية والتعليمية التي اتبعتها حكومات الرئيس مبارك المتعاقبة وهذا حديث طويل لا أود أن أزعج القارئ به الآن ولكن ما أود أن أشير إليه هنا باختصار شديد أن البرامج الاقتصادية التي تطبقها الحكومة حالياً لحل هذه المشكلة تتسم بالعشوائية كالمعتاد وعلى سبيل المثال فإن سياسة الخصخصة التي بدأت الحكومة في تطبيقها أخيراً تزيد من تفاقم مشكلة البطالة بكل أسف حيث تتميز الشركات والمؤسسات المملوكة للدولة والتي يتم بيعها الآن على قدم وساق بكثافة عنصر العمل بها وغالباً ما يتم التفاوض مع عدد كبير من العاملين بهذه المؤسسات على تسوية معاشاتهم مبكراً وهذا يؤدي إلى إضافتهم إلى أعداد العاطلين وما يلبث هؤلاء أن يزاحموا الخريجين الجامعين الجدد في سوق العمل الذي أصبح يشهد عرضاً كبيراً مقابل طلب محدود ومن الظواهر المؤسفة هنا أن تجد الجامعيين يزاحمون أنصاف المتعلمين والأميين في مجالات عملهم مثل أعمال البناء المختلفة والباعة الجائلين وعمال المطاعم ومحطات البنزين .........الخ وتبرز هذه الملاحظة حجم الموارد المهدرة في تعليم هؤلاء الجامعيين. وخلاصة هذه المشكلة أن البطالة تتفاقم والحكومة تعد بحلها والحل غير واضح حيث تقوم الحكومة ببيع الشركات والمؤسسات المملوكة للدولة والتي توظف مئات الألوف وتستخدم حصيلة البيع لتخفيض الدين العام وعجز الموازنـة العامـة كما سوف نوضح حالاً وفي نفس الوقت تتحدث عن إنشاء 1000 مشروع جديد لتوظيف 5ر4 مليون فرد على مدار 6 سنوات دون توافر موارد واضحة للتمويل ، وهكذا تتصرف الحكومة برعونة ويتصور الرئيس ونجله أنه بمجرد تسليم الحكومة الجديدة لبعض رجال الأعمال وبيع مشروعات القطاع العام فإن مشكلة البطالة ستحل بشكل سحري . ألم يكن من الأجدر التفكير في دعم مشروعات القطاع العام الرابحة وتحسين أساليب إدارتها ودعم هياكلها التمويلية بما يمكنها من التوسع واستيعـاب المزيد من العاملين ؟ 2 – مشكلة عجز الموازنة العامة : تتمثل هذه المشكلة باختصار شديد في وجود عجز كبير في الموازنة العامة تصل نسبته إلى ما يزيد عن 10% من قيمة الناتج المحلي في مصر ومن الناحية الفنية فإنه عندما تزيد هذه النسبة عن 5% فإننا نكون أمام اختلال هيكلي وعندما تزيد عن 10% بالإضافة إلى الاتجاه التصاعدي لهذا العجز عبر السنوات القليلة الماضية فإننا نكون أمام معضلة اقتصادية وليس مجرد اختلال هيكلي . وتتمثل المعضلة هنا في عدم مرونة كل بنود الإنفاق العام والمتمثلة أساساً في الأجور والمعاشات وبنود الدعم وخدمة الدين العام الذي يتفاقم عاماً بعد عام واعتمادات التعليم والصحة ..........الخ أما إذا ما نظرنا إلى بنود الإيرادات العامة فسوف نجد أنفسنا أمام مفارقة كبيرة تتمثل في تطبيق الحكومة أخيراً لقانون جديد للضرائب يتضمن خفضاً للرسوم الضريبية على صافي أرباح الشركات المحلية والأجنبية والمصارف من متوسط 35% إلى 20%!! على أمل أن يمنع هذا الخفض الممولين من التهرب الضريبي الشائع في مصر وبالتالي زيادة الحصيلة الإجمالية . كما يؤمل من هذا الخفض أيضاً زيادة الاستثمارات المحلية والأجنبية ونحن نعتقد أن هذه السياسة سلاح ذو حدين لأن هذا التخفيض في نسبة الضرائب سوف يؤدي في الغالب إلى تفاقم مشكلة العجز في الموازنة العامة وكان من الأفضل في رأينا منحه لفترات محددة ولصناعات منتقاة وبالذات تلك التي تستخدم أساليب تصنيع تتسم بكثافة عنصر العمل بما يساهم في حل مشكلة البطالة وكذلك استخدامه كحافز لتشجيع الالتزام الضريبي من قبل الممولين. وحتى الآن لم تتقدم الحكومة بأي أفكار أو خطط محددة لحل مشكلة عجز الموازنة العامة وإن كان هناك توجه واضح لتخفيض اعتمادات الدعم الضخم الذي تتحمله الموازنة العامة من أجل تخفيض الأعباء المعيشية عن كاهل الفقراء بسبب أن الأغنياء يستفيدون منه أيضاً وأحياناً بمعدلات أكبر من الفقراء مثل دعم أسعار البنزين الذي يباع في مصر بربع تكلفته العالمية وفي مصر يمتد الدعم ليشمل معظم السلع الأساسية مثل الخبز والأرز والزيت بالإضافة إلى مرافق السكك الحديدية والمياه والتعليم والصحة ........الخ ويقدر حجم الدعم بحوالي 50 مليار جنيه أو ما نسبته حوالي 25% من مجموع الإنفاق العام . وكما المحنا فإن هناك توجه لمحاولة إلغاء أنواع الدعم بشكل متدرج وهذا من ضمن توصيات صندوق النقد الدولي لمصر التي بدأت في تطبيقها بعد مقاومة طويلة. وهناك مؤشر يؤكد توقعنا هذا إلا وهو وجود بند فيما يسمى ببرنامج الرئيس مبارك للإصلاح الاقتصــادي في مصر يشتمــل على زيادة مرتبات موظفي الدولة بنسبــة 100% على مدار السنوات الخمس القادمة، إذ أننا نعتقد أن هذه الزيادة ستكون بمثابة دعم نقدي نظير إلغاء الدعم السلعي حيث انه لا يوجد مصدر آخر لتمويل زيادة المرتبات هذه . وإذا ما حدث هذا فإن أحوال الموظفين في مصر الذين يزيد عددهم عن 5 مليون موظف ستزداد سوءاً بكل أسف لما تؤدي إليه زيادة المرتبات عادة في مصر من ضغوط تضخمية . 3 – مشكلة الدين العام : وصل الدين العام الداخلي والخارجي في مصر إلى حوالي 650 مليار جنيه يعادل 112 مليار دولار وهو ما يمثل أكثر من 100% من الناتج المحلي الإجمالي لمصر وكما هو معروف اقتصادياً فإن معيار السلامـة العالمي يكون في حـدود 60% . وعندما يُسأل وزير المالية المصري عن هذه المشكلة فإنه يؤكد أن حجم هذا الدين لازال في الحدود الآمنـة وأنه يقابله بزيــادة حجـــم الاحتياطي الذي وصل إلى حوالي 5ر22 مليار دولار ولبيان أننا تجازونا الحدود الآمنة بمراحل يكفي أن نبين أن متوسط نصيب المواطن المصري من هذا الدين يصــل الآن لحوالي 9000 جنيه بينما أن نصيبه من الاحتياطي يصل إلى حوالي 1800 جنيه فقط . ويكــفي أيضاً أن نشيـــر إلى أن معــدل خدمة هـــذه الديون يستهــلك حوالي 21% من موارد الموازنة العامة. والخلاصة أن مشاكل الاقتصاد المصري كبيرة وخطيرة ومع ذلك فإن الحكومة تهون كثيراً من شأنها وكما هو معروف فإن البداية الصحيحة لعلاج أي مرض تبدأ من الاعتراف بوجوده وتشخيصه بشكل سليم أما الحكومة المصرية فإنها تعتقد أن أقصر طريق لحل المشاكل هو تجاهلها . منقول