الباحثة
03-May-2008, 11:09 PM
إسلام أون لاين
في دورته الرابعة
مهرجان الجزيرة التسجيلي.. "الالتفات إلى ألم الآخرين"
سعيد أبو معلا
http://http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?blobcol=urldata&blobheader=image%2Fjpeg&blobkey=id&blobtable=MungoBlobs&blobwhere=1208793584221&ssbinary=true شعار مهرجان الجزيرة للأفلام الوثائقيةسأسمح لنفسي بأن أستعير عنوان كتاب الأمريكية الراحلة "سوزان سونتاج" في العنوان، فسوزان تحدثت في كتابها "الالتفات إلى ألم الآخرين" عن الصور التي تنقل معاناة ضحايا الحروب وتأثيرها على المشاهدين، وأفلام عدد غير قليل من مهرجان الجزيرة الدولي للأفلام التسجيلية هي شهادات بصرية وحية لألم الفقراء والمضطهدين والمقموعين في دول العالم.
فكان المهرجان بأفلامه الأجنبية والعربية حالة لخلق تعاطف إنساني مع شرائح وفئات وجماعات وبشر مثلنا يعانون فيما يغيبون عن الشاشة إلا ما ندر ليحضروا بصور مكبرة في أفلام كثيرة ومن دول مختلفة كالصين والبرازيل وكمبوديا والفلبين وأستراليا وألمانيا وإيران والعراق ومصر وفلسطين ولبنان... إلخ. صحيح أنه يمكن للمشاهد أن يخمن ما سيشاهده من أفلام عربية وأجنبية تسجيلية تحضر من 40 دولة، لكن هذا التخمين دوما ما يؤكد على عكسه بمعنى وجود الجديد من الإبداع السينمائي الذي يتناول ويكشف مساحات جديدة وطازجة عبر تسليط الضوء على نماذج بشرية تكافح بألم وقسوة في سبيل تحقيق حياة أفضل.
فجاءت الكثير من الأفلام المشاركة في فئات المهرجان الثلاث (أفلام طويلة / قصيرة / أفق جديد) منغمسة مع قضايا المقهورين والمظلومين في العالم، سواء أكان ذلك على المستوى الداخلي المحلي الضيق لهذه الدول أو على المستوى الخارجي، وتحديدا في علاقات الدول الفقيرة ودول العالم الثالث بالدول الغربية والإمبريالية، وتحديدا الولايات المتحدة الأمريكية التي حضرت بقوة كمسبب للفوضى في العالم الذي نعيش فيه.
فبدا الرابط بين هذه الأفلام وكأنه خيط رفيع، لكنه قوي جمع الكثير من مخرجي الأفلام التسجيلية على مستوى العالم وانحيازهم الإيجابي والإنساني لقضايا عادلة، دون أن يغفل الجانب الفني وإن على النبر الخطابي المباشر وتقليدية المعالجة عند بعض الأفلام.
وهذا فعل وإن تكرر في مضمونه ومحتواه من المخرجين فإنه مختلف في رؤاه وأساليب طرحه، والمناطق التي يعالج مشاكله، في إشارة ودلالة كبيرة تؤكد على وجود هاجس قوي يسيطر على اهتمامات هؤلاء المخرجين وهو ما يمنح هذا الفن حاليا ولاحقا زخما لتبرير وجوده ليتوجه إلى شرائح اجتماعية تريد أن ترى نفسها بكل وضوح برفقة صرختها وألمها.
المقدمة أو العتبة السابقة هي مدخل مهم لتناولنا لمجموعة أفلام وفرها مهرجان الجزيرة الدولي للأفلام التسجيلية في عامه الرابع والمنعقد في الفترة ما بين 21- 24 أبريل / نيسان 2008.
ثالوث عربي
فبعيدا عن الجوائز التي لها معاييرها ومحدداتها يمكن القول إنه كان من اللافت هذا العام ضعف الحضور العربي على خلاف السنوات الثلاثة الماضية التي شهدت حضورا كبيرا، وهذا أمر مبشر ويدلل على صرامة معايير القبول وإن كانت على حساب الأفلام العربية التي تشهد نموا مضطردا، فطغت الأفلام الأجنبية وتحديدا تلك القادمة من الصين التي كان منها فيلم الافتتاح "زهور اللفت" ومن بعده فيلم "الروضة" وأفلام أخرى كثيرة سنتحدث عنها لاحقا.
ثالوث القضايا التي تناولتها الأفلام العربية كان متمحورا على ما يجري في فلسطين والعراق ولبنان، هذا الثالوث الذي يشهد صراعات ويعبر عن أزمات المنطقة التي تتفاعل بتدخلات خارجية، ما جعلها امتدادا طبيعيا لمشكلات عالمية أخرى كرغبة أمريكا في السيطرة على العالم والفوضى العالمية التي حققتها سياسات أمريكا في العالم وأثر العولمة على حياة الفقراء ومحدودي الدخل.
"الخراب الثالث"، "ما وراء الشمس"، "عصابات بغداد"، "ماذا حدث في منتصف حزيران في غزة؟" أفلام قادمة من لبنان ومصر والعراق وفلسطين على التوالي ربما تلخص الحال في المنطقة العربية.
فلبنان الذي حضر في أفلام "الخراب الثالث" و"المفاجآت" و"33 يوم" وجميعها تدور حول الحرب الإسرائيلية في تموز عام 2006؛ ففي الأول تحديدا نرى النصر الذي حققه حزب الله على إسرائيل من خلال محللين وعسكريين إسرائيليين وروس وفرنسيين وعرب، أما فيلم مي المصري "33 يوم" فيحكي دور الشباب في هذه الحرب وكيف تفاعلوا في خدمة مجتمعهم عبر مساعدة النازحين، فيما يتحدث "المفاجآت" عن المفاجآت التي بشر بها حسن نصر الله خلال الحرب الأخيرة ذاتها.
أما فلسطين فجاء فيلم "ماذا حدث في منتصف حزيران" أول وثائقي (من إنتاج قناة الحوار) يتناول الحديث عن الأحداث التي جرت في غزة إثر سيطرة عناصر حماس عليها، كمل الصورة فيلم "نهار معتم" الذي يحكي واقع الحصار الإسرائيلي على سكان غزة، وفيلم "الصورة الأخيرة" والذي يحكي حكاية أم أسيرة وطفلها الذي ولدته في السجن الإسرائيلي.
واقع الأسر العراقية المهاجرة هربا من القتل والطائفية والاحتلال جاء في فيلم "عصابات بغداد" للمخرجة "عايدة شيلبفر" والذي يتناول معاناة العراقيين داخل بلدهم وفي البلدان التي هاجروا إليها كسوريا ومصر.
الشرق والغرب دوما
[http://IMG]http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?blobcol=urldata&blobheader=image%2Fjpeg&blobkey=id&blobtable=MungoBlobs&blobwhere=1208793588077&ssbinary=true[/IMG] المخرجة الأسترالية تتسلم الذهبية عن فيلمها
من الأفلام التي لفتت الانتباه والجدل كان فيلم "الأكاذيب المحرمة" للمخرجة الأسترالية "آنا بروينوسكي" (108 دقائق)، وهو فيلم لا يحكي عن جرائم الشرف كما فهم البعض وبان من خلفية النقاش بل يتناول تلك الطريقة التي يستغل فيها الغرب أي كتاب يتناول تصرفات خاطئة يقوم بها المسلمون لتشويههم.
فيحكي حكاية نورما خوري -مسيحية أردنية ومؤلفة كتاب "الحب المحرم"– وهو الكتاب الذي قدمته على أنه خبرة وتجربة شخصية لمقتل صديقتها الأردنية على يد أبيها طعنا بالسكين لحبها شابًا مسيحي ليظهر لاحقا أنه كذب وتلفيق وفبركة في سبيل الحصول على الشهرة والمال.
الكتاب الذي تلقفه الغرب وترجمه إلى 16 لغة وبيعت منه مئات الآلاف من النسخ وقدمت مؤلفته على أنها بطلة ثبت أنه مليء بالأخطاء وأنه من نسج خيال المؤلفة، والفيلم باعتماده طريقة التحقيق في سرده ورغم طوله النسبي إلا أنه يحبس الأنفاس لاعتماده لغة التشويق في ظل وجود مجموعة من الخيوط الدرامية.
أما فيلم "هويات" (28 دقيقة) للمخرجة الأردنية "سوسن دروزة" فيتناول أزمة الهوية للعرب الموجودين في أوروبا وتحديدا في الدنمارك، فيناقش مشكلة الهوية وظروف تشكلها وتغيرها من خلال فنانات وفنانين عربيات (من مصر وتركيا وفلسطين وتونس والعراق) سافروا إلى الدنمارك لأسباب مختلفة، ليقدم الكيفية التي تأثر فيها هؤلاء بالغرب وعلاقتهم بوطنهم الأم، وكيف أثرت خلفية المهاجر على مفهومه للهوية، وموقفها من الوطن وعلاقاته داخل الغربة وموقف الغرب منه، وكيف ينظر لجواز سفره الجديد والقديم.
أما فيلم "كنت هناك" (52 دقيقة) للمخرج الإيراني "نادر طالب زادة" فيعد مراجعة إيرانية لأحداث 11 سبتمبر من خلال البحث في دور الإدارة الأمريكية في هذه الهجمات فيقدم بالدلائل أن الإدارة الأمريكية كذبت وتسترت على الفاعلين، وهي من هدم الأبراج من أجل تحقيق أهدافها السياسية وشن الحروب على العراق وباكستان والتدخل في دول العالم الثالث بحجة حماية نفسها وتوفير الأمن.
أما الفيلم البرازيلي "رؤية العالم من هنا" (90 دقيقة) للمخرج "سلفيو تيندلير" فهو محاولة لقراءة موضوع العولمة مع رجل الجغرافيا والمفكر البرازيلي "ميلتون سانتوس". فيركز على الحيف الذي حاق بالدول الفقيرة جراء نظام العولمة ومنطق الرأسمالية التي لا يهمها سوى الربح والسيطرة على الموارد الرئيسية، كما يستعرض تشكل الحركات المناهضة للعولمة والتحركات الشعبية التي يرى فيها بديلا لوقف الخطر المحدق بدول العالم الثالث ودولة كالبرازيل.
أما فيلم "الولايات المتحدة في مواجهة سامي العريان" للمخرجة "لين هالفورسن" فيحكي قصة الفلسطيني سامي العريان ومعاناة أسرته في دفاعها عن زوجها المتهم بدعم ما يسمى "الإرهاب الفلسطيني" مقدما دليلا على واقع القضاء الأمريكي الذي يخضع لابتزازات اللوبي الصهيوني ليكون سامي وأسرته ضحايا لهذا الواقع رغم براءته الفعلية.
أما فيلم فوضى عالمية (79 دقيقة) للمخرج الأسترالي "بروس بتي" فيتناول بأسلوب مختلف وجديد وبالمزج ما بين التحريك والكرتون والواقعي الأسباب التي أوصلت الأزمة الحالية بين الشرق والغرب إلى هذه المنطقة من التأجج والخوف والصراع فيما يوجه إدانة للسياسات الأمريكية التي تعتمد على مبدأ السيطرة على العالم وإفقاره بالاعتماد على تحليلات مفكرين ومثقفين وطلبة من مختلف دول العالم.
يضاف إلى ذلك فيلم "مكان يدعى جوانتانامو" للمخرج الكوبي "رونالدو ألميرينتي"، وفيلم "444 يوما" الذي يحكي أزمة الرهائن الأمريكيين في طهران عام 1981، وفيلم "الحصار.. حرب ضد كوبا".
حضور إنساني صيني
ذكرنا بداية عن أن الحضور الصيني جاء لافتا للأنظار وكانت بمجمله حضور على هيئة أفلام عالجت قضايا إنسانية وهموم الفقراء من خلال تناول نماذج تعاني في توفير لقمة العيش، وتعيش في ظروف اقتصادية صعبة وهي صورة تجعلنا نرى الجزء الآخر من الصين البلد الذي يصدر لجميع دول العالم فيما هناك طبقات وفئات من الكادحين تعاني مرارة توفير لقمة العيش.
فباستثناء فيلم "الروضة" (70 دقيقة) للمخرج الصيني يكينغ زانغ والذي يحكي بأسلوب طريف حياة الأطفال في إحدى الروضات الصينية وكيف يتشكل الأطفال وينمو وعيهم وطبيعة تطورهم ومواقفهم وخوفهم الذي مس المشاهدين كثيرا وأحالهم لطفولتهم.
فقد تحدث فيلم "طريق الشاي القديمة" للمخرج الصيني "هوانج رو" عن محاولة استعادة الحياة في طريق تجاري طويل كان يربط الصين بدول اليونان ومنطقة البحر الأحمر لتصدير الشاي قبل مائة عام، وذلك من خلال الإبحار في الماضي بما يحفل فيه من علاقات وعبر استعراض للواقع والتغييرات التي طرأت على هذا الطريق وأهميته في التواصل الإنساني والتجاري.
فيلم "مختصر وثائقي أكسيان" (12 دقيقة) للمخرج الصيني "بينغ يو" ويحكي قصة رجل في التسعين من عمره أفنى حياته في صيانة الجسور، أما فيلم: "عطلة ليو فاي الصيفية" للمخرج "جين تايزهو" فيتحدث عن فتاة صينية تعمل في عطلتها لتأمين مصروفاتها، وفيلم "على طريق البحث عن الأم" للمخرج "جون هوليو" فيتحدث عن فتاة يتركها والداها في قريتها فيما هما يغيبان إلى العاصمة بحثا عن لقمة العيش دون أن تتمكن من رؤيتهم، أما "زهور اللفت" للمخرج "سونغ لينغ" فيستعرض حكاية فتاة تعمل من أجل شراء الدواء لجدتها.
وبمجملها نرى أنها أفلام تحكي عن حياة بائسة باستعراض جوانب إنسانية في حياة أبطال يعانون في سبيل تأمين قوت يومهم.
أفلام مختلفة
مجموعة من الأفلام تميزت بحضورها وكانت مختلفة نوعا ما منها الفيلم الألماني "طريق محارب" (88 دقيقة) للمخرج الألماني "أندرياس بيشلر" والذي يروي قصة المحارب الكاثوليكي "ميشيل" والذي تحول من خدمته الدينية في الكنيسة مبشرا بها إلى النضال السياسي المسلح بدوافع دينية مسيحية ضد الاستعمار والإمبريالية الأمريكية.
الفيلم يقدم نموذج من النضال السياسي الذي يستند إلى دوافع وخلفيات دينية أملا في الحرية والاستقلال وسيادة العدالة والحق والخير دون أن ينعت بالإرهاب كما هو الحال مع الكثير من المقاومات العربية في العراق وفلسطين والصومال ولبنان.
أما فيلم "عطش صخور البحر" للمخرج الصربي "فلاديمير بيروفيك" فينحاز لحياة البسطاء والفقراء في ظل الحياة المقعدة التي يعيشها العالم والتي تعج بالتطورات والتكنولوجيا التي تسلب من الإنسان إنسانيته وراحة باله من خلال استعراض حياة قرية في منطقة "مونتينغيرو" في أقاصي الجبال حيث يسرد مشاهد جميلة من حياة ناس هذه القرية وكيف يعيشون وما طبيعة علاقتهم بالعالم حيث يسودهم وداعة وراحة بال وحب وتعاون من خلال تناوب الفصول على أهل هذه القرية وكيف تؤثر فيهم وعلى حياتهم.
كما عرض فيلم "مودو العازف" للمخرج الفرنسي "مينو دوتيرتر" والذي يسرد رحلة العازف السنغالي "مودو" ما بين الصوفية بكل ما تحتوي من روحانيات وعلاقته بالموسيقى الصوفية والجاز حيث يدمج الصوفية بالجاز بطريقة تحتوي على الإبداع والاختلاف.
أما فيلم "حياة في حقل ألغام" للمخرجة النرويجية "ماريت جيرتسين" فيتناول أثر الحرب على الفلاحين البسطاء في إحدى قرى الإكوادور حيث تضطرهم حياة العوز والفقر إلى تطهير مناطق زراعية من الألغام بأجسادهم، حيث يتعرضون للموت أو الإصابة بشكل شبه يومي.
في دورته الرابعة
مهرجان الجزيرة التسجيلي.. "الالتفات إلى ألم الآخرين"
سعيد أبو معلا
http://http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?blobcol=urldata&blobheader=image%2Fjpeg&blobkey=id&blobtable=MungoBlobs&blobwhere=1208793584221&ssbinary=true شعار مهرجان الجزيرة للأفلام الوثائقيةسأسمح لنفسي بأن أستعير عنوان كتاب الأمريكية الراحلة "سوزان سونتاج" في العنوان، فسوزان تحدثت في كتابها "الالتفات إلى ألم الآخرين" عن الصور التي تنقل معاناة ضحايا الحروب وتأثيرها على المشاهدين، وأفلام عدد غير قليل من مهرجان الجزيرة الدولي للأفلام التسجيلية هي شهادات بصرية وحية لألم الفقراء والمضطهدين والمقموعين في دول العالم.
فكان المهرجان بأفلامه الأجنبية والعربية حالة لخلق تعاطف إنساني مع شرائح وفئات وجماعات وبشر مثلنا يعانون فيما يغيبون عن الشاشة إلا ما ندر ليحضروا بصور مكبرة في أفلام كثيرة ومن دول مختلفة كالصين والبرازيل وكمبوديا والفلبين وأستراليا وألمانيا وإيران والعراق ومصر وفلسطين ولبنان... إلخ. صحيح أنه يمكن للمشاهد أن يخمن ما سيشاهده من أفلام عربية وأجنبية تسجيلية تحضر من 40 دولة، لكن هذا التخمين دوما ما يؤكد على عكسه بمعنى وجود الجديد من الإبداع السينمائي الذي يتناول ويكشف مساحات جديدة وطازجة عبر تسليط الضوء على نماذج بشرية تكافح بألم وقسوة في سبيل تحقيق حياة أفضل.
فجاءت الكثير من الأفلام المشاركة في فئات المهرجان الثلاث (أفلام طويلة / قصيرة / أفق جديد) منغمسة مع قضايا المقهورين والمظلومين في العالم، سواء أكان ذلك على المستوى الداخلي المحلي الضيق لهذه الدول أو على المستوى الخارجي، وتحديدا في علاقات الدول الفقيرة ودول العالم الثالث بالدول الغربية والإمبريالية، وتحديدا الولايات المتحدة الأمريكية التي حضرت بقوة كمسبب للفوضى في العالم الذي نعيش فيه.
فبدا الرابط بين هذه الأفلام وكأنه خيط رفيع، لكنه قوي جمع الكثير من مخرجي الأفلام التسجيلية على مستوى العالم وانحيازهم الإيجابي والإنساني لقضايا عادلة، دون أن يغفل الجانب الفني وإن على النبر الخطابي المباشر وتقليدية المعالجة عند بعض الأفلام.
وهذا فعل وإن تكرر في مضمونه ومحتواه من المخرجين فإنه مختلف في رؤاه وأساليب طرحه، والمناطق التي يعالج مشاكله، في إشارة ودلالة كبيرة تؤكد على وجود هاجس قوي يسيطر على اهتمامات هؤلاء المخرجين وهو ما يمنح هذا الفن حاليا ولاحقا زخما لتبرير وجوده ليتوجه إلى شرائح اجتماعية تريد أن ترى نفسها بكل وضوح برفقة صرختها وألمها.
المقدمة أو العتبة السابقة هي مدخل مهم لتناولنا لمجموعة أفلام وفرها مهرجان الجزيرة الدولي للأفلام التسجيلية في عامه الرابع والمنعقد في الفترة ما بين 21- 24 أبريل / نيسان 2008.
ثالوث عربي
فبعيدا عن الجوائز التي لها معاييرها ومحدداتها يمكن القول إنه كان من اللافت هذا العام ضعف الحضور العربي على خلاف السنوات الثلاثة الماضية التي شهدت حضورا كبيرا، وهذا أمر مبشر ويدلل على صرامة معايير القبول وإن كانت على حساب الأفلام العربية التي تشهد نموا مضطردا، فطغت الأفلام الأجنبية وتحديدا تلك القادمة من الصين التي كان منها فيلم الافتتاح "زهور اللفت" ومن بعده فيلم "الروضة" وأفلام أخرى كثيرة سنتحدث عنها لاحقا.
ثالوث القضايا التي تناولتها الأفلام العربية كان متمحورا على ما يجري في فلسطين والعراق ولبنان، هذا الثالوث الذي يشهد صراعات ويعبر عن أزمات المنطقة التي تتفاعل بتدخلات خارجية، ما جعلها امتدادا طبيعيا لمشكلات عالمية أخرى كرغبة أمريكا في السيطرة على العالم والفوضى العالمية التي حققتها سياسات أمريكا في العالم وأثر العولمة على حياة الفقراء ومحدودي الدخل.
"الخراب الثالث"، "ما وراء الشمس"، "عصابات بغداد"، "ماذا حدث في منتصف حزيران في غزة؟" أفلام قادمة من لبنان ومصر والعراق وفلسطين على التوالي ربما تلخص الحال في المنطقة العربية.
فلبنان الذي حضر في أفلام "الخراب الثالث" و"المفاجآت" و"33 يوم" وجميعها تدور حول الحرب الإسرائيلية في تموز عام 2006؛ ففي الأول تحديدا نرى النصر الذي حققه حزب الله على إسرائيل من خلال محللين وعسكريين إسرائيليين وروس وفرنسيين وعرب، أما فيلم مي المصري "33 يوم" فيحكي دور الشباب في هذه الحرب وكيف تفاعلوا في خدمة مجتمعهم عبر مساعدة النازحين، فيما يتحدث "المفاجآت" عن المفاجآت التي بشر بها حسن نصر الله خلال الحرب الأخيرة ذاتها.
أما فلسطين فجاء فيلم "ماذا حدث في منتصف حزيران" أول وثائقي (من إنتاج قناة الحوار) يتناول الحديث عن الأحداث التي جرت في غزة إثر سيطرة عناصر حماس عليها، كمل الصورة فيلم "نهار معتم" الذي يحكي واقع الحصار الإسرائيلي على سكان غزة، وفيلم "الصورة الأخيرة" والذي يحكي حكاية أم أسيرة وطفلها الذي ولدته في السجن الإسرائيلي.
واقع الأسر العراقية المهاجرة هربا من القتل والطائفية والاحتلال جاء في فيلم "عصابات بغداد" للمخرجة "عايدة شيلبفر" والذي يتناول معاناة العراقيين داخل بلدهم وفي البلدان التي هاجروا إليها كسوريا ومصر.
الشرق والغرب دوما
[http://IMG]http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?blobcol=urldata&blobheader=image%2Fjpeg&blobkey=id&blobtable=MungoBlobs&blobwhere=1208793588077&ssbinary=true[/IMG] المخرجة الأسترالية تتسلم الذهبية عن فيلمها
من الأفلام التي لفتت الانتباه والجدل كان فيلم "الأكاذيب المحرمة" للمخرجة الأسترالية "آنا بروينوسكي" (108 دقائق)، وهو فيلم لا يحكي عن جرائم الشرف كما فهم البعض وبان من خلفية النقاش بل يتناول تلك الطريقة التي يستغل فيها الغرب أي كتاب يتناول تصرفات خاطئة يقوم بها المسلمون لتشويههم.
فيحكي حكاية نورما خوري -مسيحية أردنية ومؤلفة كتاب "الحب المحرم"– وهو الكتاب الذي قدمته على أنه خبرة وتجربة شخصية لمقتل صديقتها الأردنية على يد أبيها طعنا بالسكين لحبها شابًا مسيحي ليظهر لاحقا أنه كذب وتلفيق وفبركة في سبيل الحصول على الشهرة والمال.
الكتاب الذي تلقفه الغرب وترجمه إلى 16 لغة وبيعت منه مئات الآلاف من النسخ وقدمت مؤلفته على أنها بطلة ثبت أنه مليء بالأخطاء وأنه من نسج خيال المؤلفة، والفيلم باعتماده طريقة التحقيق في سرده ورغم طوله النسبي إلا أنه يحبس الأنفاس لاعتماده لغة التشويق في ظل وجود مجموعة من الخيوط الدرامية.
أما فيلم "هويات" (28 دقيقة) للمخرجة الأردنية "سوسن دروزة" فيتناول أزمة الهوية للعرب الموجودين في أوروبا وتحديدا في الدنمارك، فيناقش مشكلة الهوية وظروف تشكلها وتغيرها من خلال فنانات وفنانين عربيات (من مصر وتركيا وفلسطين وتونس والعراق) سافروا إلى الدنمارك لأسباب مختلفة، ليقدم الكيفية التي تأثر فيها هؤلاء بالغرب وعلاقتهم بوطنهم الأم، وكيف أثرت خلفية المهاجر على مفهومه للهوية، وموقفها من الوطن وعلاقاته داخل الغربة وموقف الغرب منه، وكيف ينظر لجواز سفره الجديد والقديم.
أما فيلم "كنت هناك" (52 دقيقة) للمخرج الإيراني "نادر طالب زادة" فيعد مراجعة إيرانية لأحداث 11 سبتمبر من خلال البحث في دور الإدارة الأمريكية في هذه الهجمات فيقدم بالدلائل أن الإدارة الأمريكية كذبت وتسترت على الفاعلين، وهي من هدم الأبراج من أجل تحقيق أهدافها السياسية وشن الحروب على العراق وباكستان والتدخل في دول العالم الثالث بحجة حماية نفسها وتوفير الأمن.
أما الفيلم البرازيلي "رؤية العالم من هنا" (90 دقيقة) للمخرج "سلفيو تيندلير" فهو محاولة لقراءة موضوع العولمة مع رجل الجغرافيا والمفكر البرازيلي "ميلتون سانتوس". فيركز على الحيف الذي حاق بالدول الفقيرة جراء نظام العولمة ومنطق الرأسمالية التي لا يهمها سوى الربح والسيطرة على الموارد الرئيسية، كما يستعرض تشكل الحركات المناهضة للعولمة والتحركات الشعبية التي يرى فيها بديلا لوقف الخطر المحدق بدول العالم الثالث ودولة كالبرازيل.
أما فيلم "الولايات المتحدة في مواجهة سامي العريان" للمخرجة "لين هالفورسن" فيحكي قصة الفلسطيني سامي العريان ومعاناة أسرته في دفاعها عن زوجها المتهم بدعم ما يسمى "الإرهاب الفلسطيني" مقدما دليلا على واقع القضاء الأمريكي الذي يخضع لابتزازات اللوبي الصهيوني ليكون سامي وأسرته ضحايا لهذا الواقع رغم براءته الفعلية.
أما فيلم فوضى عالمية (79 دقيقة) للمخرج الأسترالي "بروس بتي" فيتناول بأسلوب مختلف وجديد وبالمزج ما بين التحريك والكرتون والواقعي الأسباب التي أوصلت الأزمة الحالية بين الشرق والغرب إلى هذه المنطقة من التأجج والخوف والصراع فيما يوجه إدانة للسياسات الأمريكية التي تعتمد على مبدأ السيطرة على العالم وإفقاره بالاعتماد على تحليلات مفكرين ومثقفين وطلبة من مختلف دول العالم.
يضاف إلى ذلك فيلم "مكان يدعى جوانتانامو" للمخرج الكوبي "رونالدو ألميرينتي"، وفيلم "444 يوما" الذي يحكي أزمة الرهائن الأمريكيين في طهران عام 1981، وفيلم "الحصار.. حرب ضد كوبا".
حضور إنساني صيني
ذكرنا بداية عن أن الحضور الصيني جاء لافتا للأنظار وكانت بمجمله حضور على هيئة أفلام عالجت قضايا إنسانية وهموم الفقراء من خلال تناول نماذج تعاني في توفير لقمة العيش، وتعيش في ظروف اقتصادية صعبة وهي صورة تجعلنا نرى الجزء الآخر من الصين البلد الذي يصدر لجميع دول العالم فيما هناك طبقات وفئات من الكادحين تعاني مرارة توفير لقمة العيش.
فباستثناء فيلم "الروضة" (70 دقيقة) للمخرج الصيني يكينغ زانغ والذي يحكي بأسلوب طريف حياة الأطفال في إحدى الروضات الصينية وكيف يتشكل الأطفال وينمو وعيهم وطبيعة تطورهم ومواقفهم وخوفهم الذي مس المشاهدين كثيرا وأحالهم لطفولتهم.
فقد تحدث فيلم "طريق الشاي القديمة" للمخرج الصيني "هوانج رو" عن محاولة استعادة الحياة في طريق تجاري طويل كان يربط الصين بدول اليونان ومنطقة البحر الأحمر لتصدير الشاي قبل مائة عام، وذلك من خلال الإبحار في الماضي بما يحفل فيه من علاقات وعبر استعراض للواقع والتغييرات التي طرأت على هذا الطريق وأهميته في التواصل الإنساني والتجاري.
فيلم "مختصر وثائقي أكسيان" (12 دقيقة) للمخرج الصيني "بينغ يو" ويحكي قصة رجل في التسعين من عمره أفنى حياته في صيانة الجسور، أما فيلم: "عطلة ليو فاي الصيفية" للمخرج "جين تايزهو" فيتحدث عن فتاة صينية تعمل في عطلتها لتأمين مصروفاتها، وفيلم "على طريق البحث عن الأم" للمخرج "جون هوليو" فيتحدث عن فتاة يتركها والداها في قريتها فيما هما يغيبان إلى العاصمة بحثا عن لقمة العيش دون أن تتمكن من رؤيتهم، أما "زهور اللفت" للمخرج "سونغ لينغ" فيستعرض حكاية فتاة تعمل من أجل شراء الدواء لجدتها.
وبمجملها نرى أنها أفلام تحكي عن حياة بائسة باستعراض جوانب إنسانية في حياة أبطال يعانون في سبيل تأمين قوت يومهم.
أفلام مختلفة
مجموعة من الأفلام تميزت بحضورها وكانت مختلفة نوعا ما منها الفيلم الألماني "طريق محارب" (88 دقيقة) للمخرج الألماني "أندرياس بيشلر" والذي يروي قصة المحارب الكاثوليكي "ميشيل" والذي تحول من خدمته الدينية في الكنيسة مبشرا بها إلى النضال السياسي المسلح بدوافع دينية مسيحية ضد الاستعمار والإمبريالية الأمريكية.
الفيلم يقدم نموذج من النضال السياسي الذي يستند إلى دوافع وخلفيات دينية أملا في الحرية والاستقلال وسيادة العدالة والحق والخير دون أن ينعت بالإرهاب كما هو الحال مع الكثير من المقاومات العربية في العراق وفلسطين والصومال ولبنان.
أما فيلم "عطش صخور البحر" للمخرج الصربي "فلاديمير بيروفيك" فينحاز لحياة البسطاء والفقراء في ظل الحياة المقعدة التي يعيشها العالم والتي تعج بالتطورات والتكنولوجيا التي تسلب من الإنسان إنسانيته وراحة باله من خلال استعراض حياة قرية في منطقة "مونتينغيرو" في أقاصي الجبال حيث يسرد مشاهد جميلة من حياة ناس هذه القرية وكيف يعيشون وما طبيعة علاقتهم بالعالم حيث يسودهم وداعة وراحة بال وحب وتعاون من خلال تناوب الفصول على أهل هذه القرية وكيف تؤثر فيهم وعلى حياتهم.
كما عرض فيلم "مودو العازف" للمخرج الفرنسي "مينو دوتيرتر" والذي يسرد رحلة العازف السنغالي "مودو" ما بين الصوفية بكل ما تحتوي من روحانيات وعلاقته بالموسيقى الصوفية والجاز حيث يدمج الصوفية بالجاز بطريقة تحتوي على الإبداع والاختلاف.
أما فيلم "حياة في حقل ألغام" للمخرجة النرويجية "ماريت جيرتسين" فيتناول أثر الحرب على الفلاحين البسطاء في إحدى قرى الإكوادور حيث تضطرهم حياة العوز والفقر إلى تطهير مناطق زراعية من الألغام بأجسادهم، حيث يتعرضون للموت أو الإصابة بشكل شبه يومي.