عصام علي
01-Jun-2008, 07:15 PM
أمير البيان وتوصيف الداء
"إنما يضيع الدين بين جامد وجاحد فهذا ينفر الناس بجموده وهذا يضلهم بجحوده." بهذه الكلمات الموجزة يوصًف أمير البيان شكيب أرسلان المولود في لبنان عام 1869 والذي قضي حياته شاعرا وأديبا وداعية وسياسيا بارزا وسائحا يجوب جنبات العالم شرقا وغربا يدعو للوحدة العربية والتوحد الإسلامي فيلتقي محمد عبده وعلي يوسف في القاهرة والأفغاني في الأستانة وأحمد شوقي في فرنسا يوصًف الحالة الإسلامية في العالم ورغم وفاته عام 1946 إلا أن وصفه هذا لازال هو المسيطر علي الحالة الإسلامية في هذا العصر.
فالمذهل عند دراستك لأي شخصية إسلامية معاصرة هي كم الهجوم الذي تتعرض له هذه الشخصية من الإسلاميين أنفسهم. هذا الهجوم الذي يصل بالبعض إلي حد إلصاق التهم واتهام النوايا والحرب علي الفكر الذي قد لا يعدو اجتهادا لهذه الشخصية المؤهلة للإفتاء بحجم علمها ودراستها. هذا الأمر يضع مصداقية المفكر علي المحك لأنه من المنطقي أن يهاجم العلماني أو الشيوعي أو حتي الليبرالي والاشتراكي رجل الدين أحيانا واصفا إياه بالتشدد وعدم فهم النصوص!!! لكن الغريب أن تكون الهجمة الأشرس والأكبر من زملاء الطريق ورفقاء الرحلة ممن درسوا الإسلام وتخصصوا في علومه وأنا هنا لا أنكر حق الاختلاف في الرأي الفقهي فهذا اختلاف رحمة لكني أتحدث عن تلك الاتهامات التي يكيلها البعض لعلماء الأمة – ممن تنتفي عنهم مقولة علماء السلطان وممن جاهدوا طوال حياتهم من أجل رفعة وخدمة الإسلام – لمجرد خلاف في قضية فقهية غير متعلقة بالعقيدة أو ثوابت الدين التي لا تتغير.
كما أن التشدد الذي يبديه البعض في الأمور الفقهية هي مسألة تخص طريقته في تناول القضية الفقهية وهو أمر يخضع لأدلته الفقهية التي يستند إليها وإلي النصوص التي يعتمد عليها لكن المأساة تبدأ عندما يشتبك مع أصحاب الر أي المخالف القائم علي أدلة ونصوص فيبدأ بعض المنتسبين فكريا لجماعة ما أو مذهب ما بكيل الاتهامات للطرف الآخر دون اعتماد سياسة الحوار الأخوي أو المناظرة البناءة التي أعتمدها السلف الصالح في معالجة الأمور.
وخطورة هذا الأمر – التناطح حول فكرة امتلاك الحقيقة الكاملة والمطلقة في الأمور الفقهية المختلف عليها من قديم – أنه يُنفر الناس بل ويدعوهم أحيانا إلي البعد عن الدين بدعوي أن الاختلاف بهذه الطريقة لا يؤدي إلي أي خير ويري هؤلاء وهم بالطبع مخطئون أن هناك غياب لرؤية موحدة تجعل من الإسلام طريقا واحدا واضحا يستطيعون سلك دربه في سهولة ويسر كما يثير اختلاف العلماء أو قل بعضهم بهذا الشكل المهين فكرة التسامح الفكري طالما أن الأمر ليس متعلقا بالعقيدة. ولكي يكون الأمر واضحا لنأخذ مثالا قضية الحجاب أم الخمار وهي مسألة فقهية لن يستطيع أي فريق أن يحسمها لصالحه لأنها مختلف حولها من قديم ولا يمكن أن يأتي شخص ليحسمها ولذلك يسع كل فريق أن بقدم رؤيته ويدعو الناس إليها دون أن يهاجم أصحاب الرأي الآخر الذين استقوا أدلتهم من الدين فالخلاف في الفروع هو أمر صحي وطبيعي نظرا لأن الإسلام دين أخر الزمان ويتسع ليشمل كل جنبات العالم وهذا بالضرورة يتطلب أن يكون هناك قدرا كبيرا من المرونة في الأمور الفرعية ومثال ذلك أن مذهب الإمام الشافعي تغير منه الكثير عندما ترك العراق وأستقر المقام به في مصر.
كما أن جمود البعض في التفكير والإصرار علي امتلاكهم للحقيقة المطلقة حتي لو أحتج عليهم البعض بأدلة شرعية معتبرة وتوسعهم في فكرة التكفير وجرأتهم التامة علي قتل المسلمين وغير المسلمين غير عابئين مطلقا باعتبارات المصلحة والمفسدة هو أمر يدعو إلي كثير من التأمل والمراجعة من جانبهم لأن الخطأ في العفو أفضل كثيرا من الخطأ في العقوبة كما ورد في الروايات وما أُثر عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه في هذا. وفي ذات الوقت جمود البعض وتحريمه معارضة الحاكم علي أنه ولي الأمر ونبذهم للعمل السياسي السلمي وتشبيه ذلك بأنه منازعة لأولي الأمر وتناسي فكرة جهاد الجهر بكلمة الحق فسيد الشهداء حمزة ورجل قال كلمة الحق لحاكم جائر فقتله كما روي عن المصطفي صلي الله عليه وسلم. إن فكرة المراجعة فكر ة تستحق التأمل والتفكير فالجماعة الإسلامية التي قتلت السادات عادت لتقول أنها كانت علي خطأ وأن السادات قضي شهيدا وهذا أمر صحي لأنه يؤسس لأرضية جديدة للتعامل مع النظام والمجتمع لكنه لا يعني الاستسلام للظلم والظلام وسوق الأدلة علي ذلك من الإسلام.
كما أن نصف مقولة أمير البيان توصف الجزء الآخر من الداء حيث أن كثيرا من أفراد النخبة في مصر والعالم الإسلامي يضيعون الدين بجحودهم وهزيمتهم أمام النظام الغربي والعقلية المتغربة بالحكم علي الإسلام بنفس حكم الغرب علي الكنيسة الكاثوليكية في العصور الوسطي ووقوفها دون تحقيق أي نجاح علمي أو ثقافي واتهامات بالهرطقة والحرق والقتل لمن خالف الرأي فهذا ليس من الإسلام ولا علاقة له به وموقف الغرب من الدين والدولة الدينية (الثيوقراطية) لا ينسحب بالضرورة علي الطرح الإسلامي الوسطي لفكرة الدولة ودور الدين فيها فالخطاب الإسلامي في عهد النبي صلي الله عليه وسلم وفي عهد الخلافة الراشدة هو ما نطالب به وليس الملك العضود الذي جاء منذ نهاية الخلافة الراشدة ولا ما حدث بعد زوال الخلافة الإسلامية. فالبعض يحاسب الإسلام علي أمور لم يأت بها الإسلام والطرح الإسلامي متهم من فئة لا تعرف الإسلام إلا من خلال كتابات الغرب المتأثرة بمحاكم التفتيش والتضييق علي العلم والعلماء الأمر الذي دفع الغرب للاتجاه إلي في طريق اللادينية وقطع في هذا مسافات بعيدة ولم يعد بإمكانه العودة إلي رشده إلا من خلال ثورة فكرية كتلك التي خاضها ضد الكنيسة الكاثوليكية ولكن بالطريق العكسي حتي يصل لذلك التوازن بين الدين والدولة وبين ما هو مقدس وما هو بشري وبين الشرائع السماوية التي تنظم الأمور بوسطية لا تغلو فيها قيمة الحرية علي المسئولية ولا تتعدي فكرة الفردية علي مصالح المجتمع ولا تنتهك الحريات مقدسات الآخرين ولا تتعدي وسائل الإعلام علي خصوصيات الناس.
إن الدعوة إلي ترك الجمود لابد أن تقابلها دعوة إلي ترك الجحود لأنه وكما في الفيزياء لكل فعل رد فعل مساو في المقدار ومضاد في الاتجاه فأن هذا القانون يعمل في أخلاقيات ومرجعيات الناس فكلما ازداد الغرب شراسة في حربه علي الإسلام زادت شعبية القاعدة وكلما زاد العري في الإعلام زاد الغلو في طمس هوية المرأة وحجبها عن أي نشاط في المجتمع .. كلما زاد الهجوم علي مقدسات المسلمين في الداخل والخارج زادت دعوة البعض إلي الرد بقسوة علي هذا الانتهاكات وبشكل لا يرضاه الإسلام بل ربما يضر بالإسلام دينا وحضارة ويعطي الأعداء الفرصة للترويج لنظرياته المريضة.
وربما كان المقام يتسع أن ننهي المقال بما قاله شكيب أرسلان:
إِنّي وَإِن ضاقَت عَلَيَّ مَذاهِبــــــــي لَدَيكَ فَصَدري مِن فَنائِكَ أَرحَـــبُ
اَرى بِكَ مِن نَكَدي وَصَبري عَجائِباً وَاِعجَب مِن حالي وَحالِك أَعجَبُ
"إنما يضيع الدين بين جامد وجاحد فهذا ينفر الناس بجموده وهذا يضلهم بجحوده." بهذه الكلمات الموجزة يوصًف أمير البيان شكيب أرسلان المولود في لبنان عام 1869 والذي قضي حياته شاعرا وأديبا وداعية وسياسيا بارزا وسائحا يجوب جنبات العالم شرقا وغربا يدعو للوحدة العربية والتوحد الإسلامي فيلتقي محمد عبده وعلي يوسف في القاهرة والأفغاني في الأستانة وأحمد شوقي في فرنسا يوصًف الحالة الإسلامية في العالم ورغم وفاته عام 1946 إلا أن وصفه هذا لازال هو المسيطر علي الحالة الإسلامية في هذا العصر.
فالمذهل عند دراستك لأي شخصية إسلامية معاصرة هي كم الهجوم الذي تتعرض له هذه الشخصية من الإسلاميين أنفسهم. هذا الهجوم الذي يصل بالبعض إلي حد إلصاق التهم واتهام النوايا والحرب علي الفكر الذي قد لا يعدو اجتهادا لهذه الشخصية المؤهلة للإفتاء بحجم علمها ودراستها. هذا الأمر يضع مصداقية المفكر علي المحك لأنه من المنطقي أن يهاجم العلماني أو الشيوعي أو حتي الليبرالي والاشتراكي رجل الدين أحيانا واصفا إياه بالتشدد وعدم فهم النصوص!!! لكن الغريب أن تكون الهجمة الأشرس والأكبر من زملاء الطريق ورفقاء الرحلة ممن درسوا الإسلام وتخصصوا في علومه وأنا هنا لا أنكر حق الاختلاف في الرأي الفقهي فهذا اختلاف رحمة لكني أتحدث عن تلك الاتهامات التي يكيلها البعض لعلماء الأمة – ممن تنتفي عنهم مقولة علماء السلطان وممن جاهدوا طوال حياتهم من أجل رفعة وخدمة الإسلام – لمجرد خلاف في قضية فقهية غير متعلقة بالعقيدة أو ثوابت الدين التي لا تتغير.
كما أن التشدد الذي يبديه البعض في الأمور الفقهية هي مسألة تخص طريقته في تناول القضية الفقهية وهو أمر يخضع لأدلته الفقهية التي يستند إليها وإلي النصوص التي يعتمد عليها لكن المأساة تبدأ عندما يشتبك مع أصحاب الر أي المخالف القائم علي أدلة ونصوص فيبدأ بعض المنتسبين فكريا لجماعة ما أو مذهب ما بكيل الاتهامات للطرف الآخر دون اعتماد سياسة الحوار الأخوي أو المناظرة البناءة التي أعتمدها السلف الصالح في معالجة الأمور.
وخطورة هذا الأمر – التناطح حول فكرة امتلاك الحقيقة الكاملة والمطلقة في الأمور الفقهية المختلف عليها من قديم – أنه يُنفر الناس بل ويدعوهم أحيانا إلي البعد عن الدين بدعوي أن الاختلاف بهذه الطريقة لا يؤدي إلي أي خير ويري هؤلاء وهم بالطبع مخطئون أن هناك غياب لرؤية موحدة تجعل من الإسلام طريقا واحدا واضحا يستطيعون سلك دربه في سهولة ويسر كما يثير اختلاف العلماء أو قل بعضهم بهذا الشكل المهين فكرة التسامح الفكري طالما أن الأمر ليس متعلقا بالعقيدة. ولكي يكون الأمر واضحا لنأخذ مثالا قضية الحجاب أم الخمار وهي مسألة فقهية لن يستطيع أي فريق أن يحسمها لصالحه لأنها مختلف حولها من قديم ولا يمكن أن يأتي شخص ليحسمها ولذلك يسع كل فريق أن بقدم رؤيته ويدعو الناس إليها دون أن يهاجم أصحاب الرأي الآخر الذين استقوا أدلتهم من الدين فالخلاف في الفروع هو أمر صحي وطبيعي نظرا لأن الإسلام دين أخر الزمان ويتسع ليشمل كل جنبات العالم وهذا بالضرورة يتطلب أن يكون هناك قدرا كبيرا من المرونة في الأمور الفرعية ومثال ذلك أن مذهب الإمام الشافعي تغير منه الكثير عندما ترك العراق وأستقر المقام به في مصر.
كما أن جمود البعض في التفكير والإصرار علي امتلاكهم للحقيقة المطلقة حتي لو أحتج عليهم البعض بأدلة شرعية معتبرة وتوسعهم في فكرة التكفير وجرأتهم التامة علي قتل المسلمين وغير المسلمين غير عابئين مطلقا باعتبارات المصلحة والمفسدة هو أمر يدعو إلي كثير من التأمل والمراجعة من جانبهم لأن الخطأ في العفو أفضل كثيرا من الخطأ في العقوبة كما ورد في الروايات وما أُثر عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه في هذا. وفي ذات الوقت جمود البعض وتحريمه معارضة الحاكم علي أنه ولي الأمر ونبذهم للعمل السياسي السلمي وتشبيه ذلك بأنه منازعة لأولي الأمر وتناسي فكرة جهاد الجهر بكلمة الحق فسيد الشهداء حمزة ورجل قال كلمة الحق لحاكم جائر فقتله كما روي عن المصطفي صلي الله عليه وسلم. إن فكرة المراجعة فكر ة تستحق التأمل والتفكير فالجماعة الإسلامية التي قتلت السادات عادت لتقول أنها كانت علي خطأ وأن السادات قضي شهيدا وهذا أمر صحي لأنه يؤسس لأرضية جديدة للتعامل مع النظام والمجتمع لكنه لا يعني الاستسلام للظلم والظلام وسوق الأدلة علي ذلك من الإسلام.
كما أن نصف مقولة أمير البيان توصف الجزء الآخر من الداء حيث أن كثيرا من أفراد النخبة في مصر والعالم الإسلامي يضيعون الدين بجحودهم وهزيمتهم أمام النظام الغربي والعقلية المتغربة بالحكم علي الإسلام بنفس حكم الغرب علي الكنيسة الكاثوليكية في العصور الوسطي ووقوفها دون تحقيق أي نجاح علمي أو ثقافي واتهامات بالهرطقة والحرق والقتل لمن خالف الرأي فهذا ليس من الإسلام ولا علاقة له به وموقف الغرب من الدين والدولة الدينية (الثيوقراطية) لا ينسحب بالضرورة علي الطرح الإسلامي الوسطي لفكرة الدولة ودور الدين فيها فالخطاب الإسلامي في عهد النبي صلي الله عليه وسلم وفي عهد الخلافة الراشدة هو ما نطالب به وليس الملك العضود الذي جاء منذ نهاية الخلافة الراشدة ولا ما حدث بعد زوال الخلافة الإسلامية. فالبعض يحاسب الإسلام علي أمور لم يأت بها الإسلام والطرح الإسلامي متهم من فئة لا تعرف الإسلام إلا من خلال كتابات الغرب المتأثرة بمحاكم التفتيش والتضييق علي العلم والعلماء الأمر الذي دفع الغرب للاتجاه إلي في طريق اللادينية وقطع في هذا مسافات بعيدة ولم يعد بإمكانه العودة إلي رشده إلا من خلال ثورة فكرية كتلك التي خاضها ضد الكنيسة الكاثوليكية ولكن بالطريق العكسي حتي يصل لذلك التوازن بين الدين والدولة وبين ما هو مقدس وما هو بشري وبين الشرائع السماوية التي تنظم الأمور بوسطية لا تغلو فيها قيمة الحرية علي المسئولية ولا تتعدي فكرة الفردية علي مصالح المجتمع ولا تنتهك الحريات مقدسات الآخرين ولا تتعدي وسائل الإعلام علي خصوصيات الناس.
إن الدعوة إلي ترك الجمود لابد أن تقابلها دعوة إلي ترك الجحود لأنه وكما في الفيزياء لكل فعل رد فعل مساو في المقدار ومضاد في الاتجاه فأن هذا القانون يعمل في أخلاقيات ومرجعيات الناس فكلما ازداد الغرب شراسة في حربه علي الإسلام زادت شعبية القاعدة وكلما زاد العري في الإعلام زاد الغلو في طمس هوية المرأة وحجبها عن أي نشاط في المجتمع .. كلما زاد الهجوم علي مقدسات المسلمين في الداخل والخارج زادت دعوة البعض إلي الرد بقسوة علي هذا الانتهاكات وبشكل لا يرضاه الإسلام بل ربما يضر بالإسلام دينا وحضارة ويعطي الأعداء الفرصة للترويج لنظرياته المريضة.
وربما كان المقام يتسع أن ننهي المقال بما قاله شكيب أرسلان:
إِنّي وَإِن ضاقَت عَلَيَّ مَذاهِبــــــــي لَدَيكَ فَصَدري مِن فَنائِكَ أَرحَـــبُ
اَرى بِكَ مِن نَكَدي وَصَبري عَجائِباً وَاِعجَب مِن حالي وَحالِك أَعجَبُ